الكيد هو ضرب من الاحتيال ، وقد أخبر الله أن كيد الشيطان ضعيف رغم ما أوتي من سبل الإغواء فقال تعالى : (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)النساء/76.

ولكن تقاس قوة كيد الشيطان وضعفه بقوة إيمان الشخص وضعفه فالعلاقة عكسية ، فكلما قوي الإيمان في الإنسان استعصى على الشيطان، وكلما ضعف إيمانه تسلط عليه الشيطان..

أما كيد النساء فقيل : إنه وصف بالعظم مقارنة بكيد الرجال ، وقيل: قوله تعالى: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)يوسف/28 إن القائل هو عزيز مصر فلا تعارض ولا تدافع بين الآيتين .

يقول فضيلة الشيخ أحمد الشرباصي ـ من علماء الأزهر ـ رحمه الله موجها للفرق بين الآيتين الكريمتين :
نتعرف أولاً إلى معنى “الكيد” فنجد صاحب “المفردات” يقول: “الكيد ضَرْب من الاحتيال.

وقد يكون مَذمومًا، ومَمدوحًا، وإن كان يُستعمل في المذموم أكثر، وكذلك الاستدراج والمَكْر، ويكون بعض ذلك مَحمودًا، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)يوسف/76 وقال: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)الأعراف/183، القلم/45.

قال بعضهم: “أراد بالكيد العذاب”، والصحيح أنه هو الإملاء والإمهال المُؤَدِّي إلى العِقاب، كقوله: (إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا)آل عمران/178. وقوله: (إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)يوسف/52 فخصَّ الخائنين تنبيهًا أنه قد يَهدي كَيْد مَنْ لم يَقصد بكيده خِيانة كَكَيد يُوسُف بأخيه، وقوله:(لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)الأنبياء/57 أي: لَأُرِيدنَّ بها سُوءًا.

وقد قال الله ـ جلَّ جلاله ـ في سورة النساء/76: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِيِنَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا).
وكيد الشيطان مهما كان قويًا ـ ضعيف في جنب نُصرة الله القوي القادر، وحفظه لأوليائه المُخْلصين من عباده ـ والله ـ جلَّ جلاله ـ يُواجه الشيطان المَرِيد بأنه لا يَستطيع التَمَكُن من عباد الله الأخيار، فيقول له: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)الحجر/42.

والشيطان ـ عليه اللَّعنة ـ يُقِرُّ بِضعف إِغوائه أمام المُخلصين، فيقول في خطاب الله ـ صاحب العِزَّة والجَبَروت ـ: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)ص/82ـ83.

ويُعَلِّقُ “تفسير المنار” على آية النساء السابقة، بعبارة مُيَسِّرَةٍ مُفَسِّرَةٍ جاء فيها: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِيِنَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) والطاغُوت من المبالغة في الطغيان، وهو مُجاوزة حُدود الحق والعدل والخير، إلى الباطل والظلم والشر، فلو تَرك المؤمنون القتال ـ والكافرون لا يَتركونه ـ لَغَلَبَ الطاغوت وعَمَّ قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ)البقرة/251، فغَلبت الوثنية المُفسدة للعقول والأخلاق، وعَمَّ الظلم بعموم الاستبداد.

(فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ) فأنتم أيها المؤمنون أولياء الرحمن (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)؛ لأنه يُزين لأصحابه الباطل والظلم والشر، وإهلاك الحرث والنَّسل، فيُوهمهم بِوَسْوَسَتِهِ أنها خير لهم، وفيها عِزُّهم وشَرفُهم، وهذا هو الكَيد والخِداع.

ومن سُنن الله في تَعارض الحق والباطل، أن الحق يَعلو، والباطل يَسْفُل وفي مُصارعة المصالح والمفاسد بقاء الأصلح ورُجْحَان الأمثل.
فالذين يقاتلون في سبيل الله يَطلبون شيئًا ثابتًا صالحًا تَقْتضيه طبيعة العُمران، فَسُنن الوجود مُؤَيِّدة لهم. والذين يُقاتلون في سبيل الشيطان يَطلبون الانتقام والاستعلاء في الأرض بغير الحق، وتَسخير الناس لشهواتهم ولذاتهم وهي أمور تَأْبَاهَا فِطرة البشر السَّليمة، وسُنن العُمران القويمة، فلا قوة ولا بقاء لها إلا بتركها وشأنها، وإرخاء العِنَانِ لأهلها، وإنما بَقاء الباطل في نَومَة الحق عنه.

ثَمَّ معنى آخر: قال الأستاذ الإمام: “هذه الآية جواب عَمَّا عَسَاهُ يَطوف بخواطر أولئك الضعفاء، وهو أننا لا نُقاتل؛ لأننا ضعفاء، والأعداء أكثر منا عَدًا، وأقوى منا عَدَدًا، فدلهم الله ـ تعالى ـ على قوة المؤمنين التي لا تُعادلها قوة، وضعف الأعداء الذي لا يُفيد معه كيد ولا حِيلة، وهو أن المُؤمنين يُقاتلون في سبيل الله، وهو تأييد الحق الذي يُوقن به صاحبه، وصاحب اليقين والمَقاصد الصحيحة الفاضلة تتوجه نفسه بكل قُواها إلى إتمام الاستعداد ويكون أجدرنا بالصبر والثبات، وفي ذلك من القوة ما ليس في كثرة العَدَدِّ والعُدَدِّ”.

ويقول الله ـ تعالى ـ في سورة يوسف/28: (فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ).
جاء في تفسير الفخر الرازي: (قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ) أي إن قولكِ: (مَا جَزَاءُ مَنْ أَراَدَ بِأَهْلِكَ سُوءًا)يوسف/25، من كيدكن، إن كيدكن عظيم. فإن قيل: إنه لَمَّا خلق الإنسان ضعيفًا، فكيف وصف كيد المرأة بالعِظَم؟ وأيضًا فكيد الرجال قد يَزِيد على كيد النساء؟

والجواب عن الأول:
إن خِلقة الإنسان بالنسبة إلى خِلقة الملائكة والسموات والكواكب خِلقة ضعيفة، وكيد النِّسوان بالنسبة إلى كيد البشر عظيم، ولا مُنَافاة بين القَولينِ.
وأيضًا فالنساء لَهُنَّ في هذا الباب من المَكْرِ والحِيَل ما لا يكون للرجال؛ ولأن كيدهن في هذا الباب؛ يُورِثُ من العار ما لا يُورِثُهُ كيد الرجال.
وقيل: إن القائل:”إن كيدكن عظيم” هو عزيز مصر، وهو زوج المرأة التي راودت يوسف عن نفسه، فلا تناقض بين الآيتين ولا تعارض.