يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
-عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله ﷺ: “ما مِن مَولودٍ إلَّا يولَدُ على الفِطرةِ، فأبَواه يُهَوِّدانِه أو يُنَصِّرانِه أو يُمَجِّسانِه، كما تُنتَجُ البَهيمةُ بَهيمةً جَمعاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها مِن جَدعاءَ؟ ثُمَّ يقولُ أبو هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه: ( فِطرَتَ اللهِ التي فطَرَ النَّاسَ عليها )الروم/30.
كل مولود يولد على الفطرة، الفطرة هي الحالة التي يكون عليها الإنسان عند الولادة، قبل أن تدخل عليه المؤثرات الخارجية. فالحالة والصورة حتى الصورة والخلقة التي يخلق عليها الإنسان هي فطرة فكل مولود ركب الله سبحانه وتعالى فيه فطرة، جعل فيه طبائع، وجعل فيه ميولاً.
وهذه الفطرة هي التي يولد عليها كل إنسان، فطرة سليمة ليس فيها عوج، وليس فيها شرك، وليس فيها ميل للكفر، حتى تتدخل فيه المؤثرات الخارجية من البيئة والوالدين وأمر الناس وأحوالهم.
هذه الفطرة يقول أهل العلم هي الميثاق الذي أخذه الله عز وجل على آدم وذريته وهم في عالم الغيب، لما كانت الذرية في عالم الغيب، قبل أن يوجدوا إلى عالم الشهادة، كما قال الله عز وجل: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ )الأعراف/172.
-وجاء ذلك صريحاً في حديث ابن عباس الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله عن النبي ﷺ يقول: “إنَّ اللهَ أخذ الميثاقَ من ظهرِ آدم ب ( نعمانَ ) يومَ عرفةَ ، وأخرج من صلبِه كلَّ ذريةٍ ذرأَها فنثرَهُم بين يديه كالذَّرِّ ، ثم كلَّمَهُم قِبَلًا قال : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى )أحمد والنسائي.
هذه هي الفطرة التي خلق الله عز وجل الناس عليها، كلهم لما قال لهم ربهم سبحانه وتعالى: “أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟” قالوا: نعم، أنت ربنا. فالإنسان يولد على هذا الميثاق الذي أخذه الله عليه وهو في عالم الذر قبل أن يوجد إلى عالم الشهادة وعالم الحقيقة.
ثم إن هذه الفطرة تتعرض لشياطين الإنس والجن، هذه الفطرة التي ولد عليها الإنسان من التوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له، والإقرار بالخالق، ومحبة الصدق، ومحبة الأمانة، ومحبة العدل، ومحبة الاستقامة، كراهية الكذب، كراهية الخيانة، كراهية الفواحش والمنكرات، هذه طبيعة في الإنسان، فطرة في الإنسان.
لكن تتدخل شياطين الإنس والجن حتى تصرف الإنسان عن هذه الفطرة السليمة المستقيمة التي خلق الله تعالى الناس عليها، كما جاء أن إبليس لعنه الله قال: ( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ )الأعراف/16-17 أقسم والعياذ بالله على إضلال من أطاعه من بني آدم.
وهذا الإضلال باقي إلى قيام الساعة، تعرض الإنسان لهذه الفتن.
-وجاء في حديث عياض بن حمار رضي الله عنه قال النبي ﷺ: «قال الله تعالى» حديث قدسي – عنِ اللهِ تعالى : “إني خلقتُ عبادي حنفاءَ فاجتالتْهم الشياطينُ فحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أُنزِّل به سلطانًا”مسلم،النسائي،ابن حبان.
«إني خلقت عبادي حنفاء كلهم» حنفاء يعني مائلين عن الشرك، ما عندهم شرك، كلهم على التوحيد «وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم» حرفتهم عن دينهم، عن التوحيد، عن الحق الذي خلقتهم عليه، فاجتالتهم عن دينهم ثم قال ﷺ، أو قال الله تعالى فيما يرويه عنه رسولنا ﷺ: «وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم» الشياطين «وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً».
-إذن ما من مولود إلا ويولد على التوحيد، يولد على الفطرة، وهذا هي الفطرة هي الميثاق الأول الذي أخذه الله عز وجل على ذرية آدم عليه الصلاة والسلام. فكل مولود يولد على هذه الفطرة وهذا التوحيد، ثم تتدخل شياطين الإنس والجن.
قال: «فأبواه» إن كان أبواه على دين النصارى أمراه بدينهم، وإن كانوا على اليهودية أمراه بذلك، وإن كانوا على المجوسية «يمجسانه» يعني من المجوسية، والمجوس هم عبدة النار، الذين يعبدون النار، ويقولون النار هي أصل النور، والنور عندهم خالق كل شيء، فهم عبدة النار وهم كانوا في منطقة فارس، يشتهرون في ذلك المكان «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» كما قال ﷺ.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: «كما تنتج البهيمة» البهيمة تنتج عندما تلد ولدها سليم ما فيه نقص. تنتج البهيمة سليمة ما فيها نقص أبداً حتى تأتي يعني شياطين الإنس والجن فتبتر الآذان، وتشوه الخلقة، وتقول هذه بحيرة للأصنام، وهذه سائبة للأوثان. فشوهت خلقة البهيمة كما شوهت الشياطين فطرة الناس وجبلتهم التي خلقهم الله سبحانه وتعالى عليها وفطرهم عليها.
-فالإنسان عندما يولد، يولد على التوحيد، ولذلك النبي ﷺ ما قال: “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يسلمانه“، هو مولود على الإسلام، ما قال “يسلمانه”، وإنما قال “يهودانه”، هو أصلاً ولد على التوحيد، الإنسان لو ترك يتوجه إلى الله سبحانه وتعالى ويقر أن هناك إلهاً واحداً.
لكن عندما تتدخل المؤثرات الخارجية من الأبوة، من البيئة، والناس، وهكذا تغير هذه الفطرة، لو ترك الإنسان لاستمر على طهارته، لاستمر على دينه وتوحيده، لكن يأتي يعني الأبوان فيغيران ويجعلانه يهودياً، يعلمانه اليهودية، أو النصرانية المشركة الكافرة، أو يعلمانه المجوسية عبدة النار، وهكذا.
-والنبي عليه الصلاة والسلام مثل بولادة البهيمة سليمة من العيوب، كاملة الأعضاء لا نقص فيها، ثم يحدث هذا النقص من الناس: جدع الأنف، جدع.. قطع الأذن.. هذا كله من أفعال الناس. يقول أبو هريرة -راوي هذا الحديث-: “اقرأوا إن شئتم: ( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ )الروم/30.
يعني الله عز وجل خلق الناس على الفطرة، على التوحيد، وعلى قبول الحق، وحُب الأخلاق الطيبة. الإنسان سبحان الله بطبعه -حتى لو انحرف، حتى الكافر- يعلم أن الكذب قبيح، يعلم أن الخيانة قبيحة، يعلم أن السرقة قبيحة. فطرة، فطرة في النفس! الله خلق الإنسان على هذه الفطرة، ولذلك السارق يعرف في نفسه أنه غلطان. القاتل -والعياذ بالله- يعلم أنه مرتكب لعظيمة من عظائم الأمور. الله خلقه على هذه الفطرة التي هي أحسن ما يكون من الأخلاق ومن الطباع الطيبة الصالحة.
هل يجوز مخالطة المشركين؟
-حذَّر علماء المسلمين من مخالطة المشركين، ولا سيما الأولاد الصغار. كثير من الناس اليوم يهاجر إلى بلاد المشركين، قد يكون بعضهم مضطراً، وبعضهم ليس عنده ضرورة إلا طلب الدنيا. فيعيش أولاده مع المشركين، الصغار يتطبعون بطباع المشركين والوثنيين وغيرهم. فاحذر -يا عبد الله- من تشوه الفطرة عند أولادك. حتى لو كنت في بلد إسلامي، انتبه لفطرة أولادك ألا يشوهها المنحرف.
-أيضاً عندنا بلاء من الخادمات المشركات في بيوت المسلمين، الخادمة قد تؤثر على الطفل الصغير ووالديه في غفلة لا يبالون! فانتبه إلى هذه الفطرة ألا يؤثر عليها شياطين الإنس والجن.
وكذلك من الرفقة السيئة، من الجار السيئ، من صاحب السوء، من الخادم المشرك؛ فإن هؤلاء كلهم ممكن أن يغيروا ويحرفوا فطرة الإنسان التي خلق الله تعالى الناس عليها.
أولاد المشركين؟
حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:سُئِلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أولادِ المُشرِكينَ، فقال: اللهُ إذ خَلَقَهم أعلَمُ بما كانوا عامِلينَ.
يقول ابن عباس إن الرسول ﷺ سئل عن أولاد المشركين؛ إذا ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم، وقبل أن يجري عليهم قلم السيئات؛ الإنسان قبل البلوغ لا يؤاخذ حتى لو عمل شركاً، لو عمل حراماً، قبل البلوغ غير مؤاخذ.
فالرسول عليه الصلاة والسلام سئل عن أولاد المشركين هل سيدخلون الجنة لأنهم ماتوا على الفطرة، ماتوا قبل البلوغ؟ فالرسول ﷺ في هذا الحديث أجاب بأن الله عز وجل أعلم بما هم عاملون إذ خلقهم. الله عز وجل أعلم بما سيعمل هؤلاء الأطفال لو بلغوا وكبروا كيف سيكون حالهم، هل سيكونون مسلمين أم يكونون على دين آبائهم مشركين. فربك أعلم بما هم عاملون. فكأن النبي ﷺ فوض الأمر لله: «الله أعلم بما هم عاملون»، الله يعلم ما هم عاملون لو عاشوا، لو بقوا على قيد الحياة واستمر بهم العمر، هل سيكونون من المسلمين أم يكونون من المشركين؟
باب ما ذكر في أولاد المشركين؟
هذه المسألة فيها عدة أحاديث. هذا أحد الأحاديث: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وهذا القول لا يتنافى مع القول الآخر، وهو الذي فيه أن أطفال المشركين يمتحنون يوم القيامة، يعطيهم الله عز وجل الإدراك والفهم ويختبرهم، يرسل إليهم رسولاً فإن أطاعوه دخلوا الجنة، وإن عصوه دخلوا النار مع المشركين.
فهذا القول «الله أعلم بما كانوا عاملين» لا يتنافى مع قول من قال إنهم يمتحنون يوم القيامة مع الممتحَنين.
من هم الذين يمتحنهم الله يوم القيامة؟
1 – الذي مات قبل البلوغ.
2 – الذي مات في فترة من الرسل ما وصل إليه رسول، ما وصلت إليه رسالة التوحيد.
3 – من مات وهو مجنون ليس عنده عقل، لو عرض عليه التوحيد، الإيمان، الصلاة، الزكاة لا يعرف، غير عاقل.
قالوا: هؤلاء الثلاثة كلهم يمتحنون يوم القيامة، يرسل الله إليهم رسولاً فيأمرهم، فإن عصوه دخلوا النار، ومن أطاعه دخل الجنة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن أطفال المشركين في الجنة لقوله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة». ما دام أن أطفال المشركين يموتون على الفطرة فهم مع أهل الجنة.
هذه المسألة فيها خلاف مشهور بين أهل العلم، والعلم فيها عند الله سبحانه وتعالى.
وينبغي لنا أن يستقر في نفوسنا أمور:
أولها: قال تعالى: ( وَمَا رَبُّكُ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ )فصلت/46، لا يظلم ربك أحداً. لا يمكن أن يظلم الله طفلاً ولا كبيراً ولا صغيراً ولا امرأة ولا أحداً، لأن الله عز وجل حرم على نفسه الظلم. فلا يمكن أن يدخل طفل إلى النار ظلما.. بغير جريرة، بغير جرم ارتكبه أبدًا لا يمكن. الله عز وجل نزه نفسه عن الظلم.
الثاني: أن ربنا سبحانه وتعالى أرحم الراحمين، قال تعالى: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ )الأعراف/156، ربك سبحانه وتعالى أرحم بخلقه من أمهاتهم كما قال ﷺ: “….لَلَّهُ أرحَمُ بعِبادِه مِن هذه بوَلَدِها”مسلم.
فتخيل أن الله أرحم بنا من أمهاتنا! رحمته أعظم من رحمة الوالدة بوالدها كما قال النبي ﷺ. فالله أرحم الراحمين، وهو لا يظلم أحداً، بل هو الحكم العدل. والله عز وجل يعطي كل ذي حق حقه، وقدر للناس وقدر للجنة أهلها وقدر للنار أهلها.
سؤال الصحابة النبي عما أشكل عليهم من المسائل؟
الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا أشكلت عليهم مسائل، رجعوا إلى النبي ﷺ وسألوه ليفتيهم ويعلمهم، وهو ﷺ كان لا يتكلم إلا بالوحي. وربما سألوه ﷺ عن شيء لا علم له به فيسكت ﷺ وينتظر الجواب،
الرسول ﷺ كان ينتظر الجواب إذا سئل عن شيء لا يعلمه، أطرق.. أطرق برأسه وانتظر الوحي ورآه الصحابة وهو يتفصد جبينه من العرق من ثقل الوحي الذي ينزل عليه فيسكت، ثم يقول: «أين السائل عن كذا وكذا؟» فيجيبه ﷺ. وصدق الله إذ يقول: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ )النجم/3-4، كما قال ربنا سبحانه وتعالى في سورة النجم.
وهذا فيه تعليم لنا أن المسائل التي تشتبه علينا، المسائل التي لا نعرف حكمها ينبغي لنا أن نرجع بها إلى أهل القرآن وأهل السنة علماء المسلمين ليفتوا فيها.