يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
-إن محاسن الأخلاق وكرائم الأقوال والأفعال مما جاءت به شريعة الإسلام وحثت عليه أعظم الحث وأكرمه.
-وإنما يتفاوت الناس في الإيمان بقدر حُسن أخلاقهم، قال ﷺ: “ما من شيءٍ أثقلُ في ميزانِ المؤمنِ يومَ القيامةِ من خُلقٍ حسنٍ وإنَّ اللهَ يُبغضُ الفاحشَ البذيءَ” رواه أبو داود وأحمد والترمذي.
وقال في الحديث الآخر ﷺ: “إن المؤمنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه درجةَ الصائمِ القائمِ” أخرجه الحاكم والطبراني، المؤمن بحسن خلقه يتساوى مع ذاك الذي يجتهد في الصيام، ويجتهد في القيام، وهو ليس بذلك الصيام والقيام ولكن بحسن خلقه يدرك هذه المنزلة.
–ومن مكارم الأخلاق التي حث عليها ديننا العظيم كف الأذى عن المسلمين، أن يكف الإنسان أذاه عن خلق الله لما في الأذية من وزر وذنب عظيم عند الله عز وجل، قال سبحانه وتعالى: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ) الأحزاب 58، بغير ذنب يؤذي المؤمن يؤذي المسلم بغير ذنب اقترفه والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ( فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) وقع في البهتان لأنه وصف المؤمن البريء بغيره شيء فعل ارتكبه.
خطورة التعميم في الذم؟
-جدير بالذكر ما يقع فيه كثير من المسلمين من التعميم، فانتبه أيها المسلم لا تعمم، فالبعض يقول البلد الفلاني كله كذا، القبيلة الفلانية كلها كذا، حتى العائلة، لا يجوز للمسلم أن يعمم، التعميم هذا خطأ وجاء في الحديث: “إنَّ أعظمَ الناسِ جُرْمًا إنسانٌ شاعرٌ يهجُو القبيلةَ من أَسرِها” البخاري وابن ماجة وابن حبان،
-هذا من أعظم الناس جرما عند الله عز وجل، الأمر خطير، الرسول ﷺ ذُكرت له امرأة يذكر من صيامها وقيامها وصدقاتها ولكنها كانت توذي جيرانها، فقال عليه الصلاة والسلام: “لا خير فيها هي من أهل النار” وذكرت له امرأة لا يعرف عنها كثرة صيام ولا صلاة ولا صدقة لكنها لا توذي أحداً فقال ﷺ :” هي من أهل الجنة” لأن هذا هو الإيمان الحقيقي.
المسلم كما قال النبي ﷺ “المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عنْه” أخرجه البخاري ومسلم، فأين الإسلام؟ قضية مغلوطة عند كثير من الناس المسلم الحق يعني من سلم المسلمون من لسانه ويده.
وجاء في الحديث عند الترمذي يقول ابن عمر رضي الله عنه إن الرسول ﷺ خطب بصوتٍ عالٍ خطب وهو غضبان فقال عليه الصلاة والسلام “يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه” يا معشر يعني يكفي هذا الوصف “يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم” تعيره تسخر منه إما لضعفه، وإما لنسبة، وإما لغير ذلك، وأما لفقره، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم “ولا تتبعوا عوراتهم”.
بعض الناس إذا حقد على إنسان وكره إنسان يتبع عورته ماذا يفعل؟ يسأل يتحرى ويؤذي المسلمين بهذا؟ ويتتبع عوراتهم ما جزاؤه “فإنه مَن تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ ، تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه ، ومَن تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه ، يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه”صحيح الجامع، ولو في جوف بيته يفضحه الله والعياذ بالله.
هذه عواقب يحذر منها النبي ﷺ من يقع فيها فينتقم الله عز وجل للبراء، من ابتغى للبراءة العيب وتتبع عوراتهم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته.
التطاول على المسلمين باللسان، ومثله التطاول بالأفعال، هذا مما يشيع البغضاء في المجتمعات، مما يفكك المجتمع، مما يُهيِّج فيه على العداوات والبغضاء، وهو خلاف ما أمر الله عز وجل به في قوله ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) الحجرات 10، ثم قال بعدها سبحانه وتعالى (وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ) الحجرات 11، لا تلمزوا أنفسكم اللمز العيب يعيب بعضكم بعضا، إما باللسان، وإما بالأفعال، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب، يلقب المسلم بلقب قبيح ينفر منه، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان الله عز وجل قال إنما المؤمنون إخوة فمن ابتغى غير ذلك فبئس هذا المسمى.
ثم قال سبحانه وتعالى مهدداً ( وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) الحجرات11، هم الفاسقون، الخارجون عن طاعة الله عز وجل، الخارجون عن نطاق الإيمان والعياذ بالله تعالى، ببئس أفعالهم أو ببئيس أفعالهم وسوء تصرفاتهم.
الكذب والافتراء في وسائل التواصل الإجتماعي؟
كثر في هذا الزمن بانتشار وسائل التواصل وإيصال الرأي والقول إلى الآخرين بكل سهولة، كثر إيذاء الناس باللسان وبالقول والتعدي، ومن لا يخاف الله لا يضع اسماً صحيحا، وإنما يضع اسماً موهوماً مكذوباً غير صحيح أو مجرد لقب، فلا يعرف من هو، ثم يتطاول يتطاول على العلماء، يتطاول على الأمراء، يتطاول على الدول، يتطاول على الشعوب،
وكشفت وسائل التواصل أن كثيرا من هؤلاء من أعداء الإسلام، ليسوا من دار الإسلام أصلاً، انتبه أيها مسلم لا تنقاد مع كل مقولة، ولا مع كل ما يُكتب وينشر، انتبه فالأمر خطير لا تذيع، ولا تنشر، إلا الخير كن داعية إلى الخير كافاً للشر عن الخلق.
أبو ذر رضي الله عنه لما سأل النبي ﷺ ماذا أفعل؟ افعل كذا، افعل كذا، تصدق، قال فإن لم أجد يا رسول الله قال “تكُفُّ شرَّكَ عن النَّاسِ فإنَّه صدقةٌ منكَ على نفسِكَ ” رواه البخاري ومسلم، أنت تتصدق بكف الشر والأذى عن الخلق، صدقة تتقرب بها إلى الله عز وجل.
هل لاحتمال الأذى فضل في الإسلام؟
احتمال الأذى ما هو فقط كف الأذى بل احتمال الأذى والصبر على أذى الناس والعفو والصفح عنهم هذه درجة عظيمة عند الله عز وجل.
كما قال النبي ﷺ في حديث الترمذي “المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسِ و يَصبِرُ على أذاهُمْ ، أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ و لا يَصبرُ على أذاهُمْ” ابن ماجة وأحمد والطبراني، سهل جداً للإنسان أن لا يخالط الناس يصلي ويمشي يجلس في البرية يجلس في المزرعة ويترك الناس هذا سهل.
لكن هل هذه درجة فاضلة؟ لا، المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.
وأولى الناس بالصبر عليه الوالدان بعض الآباء وبعض الأمهات، يكون فيهم قسوة يكون فيهم شدة، ربما يكون فيهم تطاول، واجب عليك أيها الابن الصبر، الله سبحانه وتعالى يقول ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) الشورى40، وقال عز وجل في صفات أهل الإيمان والتقى: ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) آل عمران 134.
أما تعلم أنك إن عفوت عفا الله عنك، إن غفرت غفر الله لك، إن صفحت صفح الله عنك، لأن الله عز وجل يعاملك بما تعامل به خلقه، فمن عفى وأصلح فأجره على الله سبحان الله وتعالى. فنسأل الله عز وجل أن يهدينا لأحسن الأخلاق.