يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

لقد أكرمنا الله سبحانه وتعالى بالإسلام، وأمرنا بالعمل فيه، وبما احتواه من أحكام، والتزام ما فيه من الآداب والأخلاق، ومما جاء التأكيد عليه في الشريعة الغراء: إعطاء الطريق حقه، والتزام آدابه.

ما هي آداب الطريق؟

قال لأصحابه: “إياكم والجلوسَ بالطرقاتِ . قالوا: يا رسولَ اللهِ ، ما بُدٌّ لنا من مجالسِنا نتحدثُ فيها، فقال رسولُ اللهِ : إن أبيتم فأعطوا الطريقَ حقَّه . قالوا: وما حقُّ الطريقِ يا رسولَ اللهِ؟ قال: غضُّ البصرِ، وكفُّ الأذى, وردُّ السلامِ ، والأمرُ بالمعروفِ ، والنهي عن المنكرِ”مسلم،البخاري،أبو داود، من آداب الطريق المؤكدة:

كف الأذى عن الطريق.

غض البصر عن النساء الأجنبيات.

رد السلام.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان

النبي جعل إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، من خصال الإيمان، قال في حديث الصحيحين: “الإيمانُ بضعٌ وسَبعونَ -أو بضعٌ وسِتُّونَ- شُعبةً، فأفضَلُها قَولُ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عَنِ الطَّريقِ، والحَياءُ شُعبةٌ مِنَ الإيمانِ”، إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، من أخلاق الإسلام التي جاء بها رسولنا .

إماطة الأذى من الطريق من أسباب المغفرة

يقول : “بينَما رَجُلٌ يَمشي بطَريقٍ وجَدَ غُصنَ شَوكٍ على الطَّريقِ فأخَّرَه، فشَكَرَ اللهُ له فغَفَرَ له”البخاري ومسلم، وجد شيئاً يؤذي المسلمين في الطريق فأماطه، صخرة تؤذي المسلمين، فأخرَّها عن الطريق، فشكر الله عمله أي أثنى عليه، فغفر له.

وأعظم من ذلك قوله في حديث مسلم: “لقد رَأيتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ في الجَنَّةِ؛ في شَجَرةٍ قَطَعَها مِن ظَهرِ الطَّريقِ، كانَت تُؤذي النَّاسَ”، لا إله إلا الله! هذا العمل الذي يتهاون فيه كثير من الناس، قد يحافظ على صلاته، وزكاته، وصيامه، ولكنه يؤذي أهله، ويؤذي جيرانه، ويؤذي إخوانه بلسانه وأفعاله، وهذا أعظم خطراً.

حكم قطع الطريق ومنع المارة؟

قطع الطريق ومنع المارة من الجرائم العظيمة في الإسلام، والرسول جاءه نفر من عكل من قبيلة، سكنوا المدينة فاجتووها، تغيرت عليهم المدينة، فقال لهم : “الحقوا بإبل الصدقة فاشربوا من ألبانها وأبوالها” فذهبوا فشربوا فاستصحوا، ثم إنهم قتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فبعث النبي في أثرهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم حتى ماتوا في الشمس.

قال أنس رضي الله عنه: هذه الآية فيهم، قال تعالى: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )المائدة33.

هذا جزاء من قطع الطريق، وهذا جزاء من منع المارة.

كان قطاع الطرق قديماً يتعرضون حتى للحجاج الخارجين إلى بيت الله الحرام، يعترضون قوافلهم البرية والبحرية، يقطعون عليهم السبيل، يسلبونهم أو ينهبونهم أو يقتلونهم.

فالله عز وجل قال: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) إنما جزاؤه أن يُقتَل ويُصلَب، يعني يُربط على الجذع حتى يموت، وتُقطع يده ورجله من خلاف، وإذا كان أقل من هذا فإنه يُنفى من الأرض، وقال الله تعالى: ( ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ).هذا أمر عظيم قطع الطريق ومنع المارة إيذاء الناس ومنع التجارات

من أكبر المحرمات والجرائم في الأرض من يقوم بقطع الطرقات لمنع حركة التجارة التي ينتفع منها الناس، إذا كان النبي يقول في الحديث: “اتَّقوا اللَّاعِنَيْنِ” قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: “الَّذي يتخلَّى في طريقِ الناسِ، أو في ظِلِّهِم”مسلم، تصور إنساناً مجرد أن يتبول في طريق الناس، أو في ظلهم الذي يستظلون به، تجب عليه اللعنة من الله، فكيف بمن يقطع الطريق؟

وقال عليه الصلاة والسلام: “من آذَى المسلمين في طُرُقِهم، وجبت عليه لعنتُهم”الطبراني، والعياذ بالله تعالى هذه أمور عظيمة وخطيرة يحذر منها المسلم الحق، وليس المسلم المخادع المنافق الذي يتحلى يتظاهر باسم الإسلام والإسلام منه براء.

حكم إيذاء المؤمنين؟

إماطة الأذى عن الطريق أمر هيِّن، لكن إيذاء القلوب، والتعدي على النفوس، هذا أمر ليس بالسهل، نسيانه يصعب على الإنسان أحياناً، وقد يبقى في قلبه دهراً طويلاً، ولذلك حذَّر الله عز وجل من أذية المؤمنين بالغيبة، والنميمة، والشتم، والتطاول، والطعن في الأعراض، وغير ذلك مما يؤذي الناس.

قال سبحانه وتعالى: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا )الأحزاب58، أي بدون ذنب، فقد احتملوا بهتاناً، إثمٌ عظيم وجرم، لا ينبغي للمسلم أن يؤذي الناس لا بلسانه ولا بأفعاله.

“المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”البخاري،مسلم، كما قال نبينا ، ولهذا كثير من المسلمين يغفلون عن هذا الباب، ويظنون الدين فقط صلاة وصيام وزكاة.

قيلَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ و سلَّمَ : يا رَسولَ اللهِ ! إنَّ فلانةَ تقومُ اللَّيلَ و تَصومُ النَّهارَ و تفعلُ ، و تصدَّقُ ، و تُؤذي جيرانَها بلِسانِها ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليهِ و سلم “لا خَيرَ فيها ، هيَ من أهلِ النَّارِ”البخاري،أحمد، قضية غفلة عظيمة عند بعض الناس، كما قلنا: يحافظ على الصلاة، ويحافظ على الزكاة، لكنه يؤذي أهله، يؤذي زوجته أقرب الناس إليه، يؤذي والديه، يؤذي جيرانه، فالأمر عظيم وخطير، لا تغفل أيها المسلم عن هذا الباب.