إن من أعظم الفتن والمؤامرات الفكرية التي أدخلت على المسلمين، تحويل المسائل اليقينية في الإسلام إلى مسائل جدلية، وجعل مواضع الإجماع القطعي موضع خلاف نظري، وبذلك تنقلب المحكمات إلى متشابهات، ويسأل عنها السائلون، ويختلف فيها المختلفون، ويشكك فيها المشككون.
حكم تغطية شعر المرأة؟
أجمع المسلمون في كل أعصارهم وأمصارهم، بأن شعر المرأة من الزينة التي يجب سترها، ولا يجوز كشفها للأجانب من الرجال .
وسند هذا الإجماع نص صريح محكم من كتاب الله تعالى . ففي سورة النور يقول الله عز وجل: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ)النور31.
والاستدلال بالآية من وجهين:
الوجه الأول: أن الله نهى في الآية عن إبداء المرأة المؤمنة لزينتها إلا ما ظهر منها، ولم يقل أحد من علماء السلف أو الخلف، أن الشعر داخل في (ما ظهر منها) حتى الذين توسعوا في الاستثناء أكثر من غيرهم.
قال القرطبي في تفسير الآية:
أمر الله سبحانه وتعالى النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين، إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارًا من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة واختلف الناس في قدر ذلك . فقال ابن مسعود ظاهر الزينة هو الثياب، وزاد ابن جبير الوجه، وقال سعيد بن جبير أيضًا وعطاء والأوزاعي: الوجه والكفان والثياب، وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرط والفتخ، ” الفتخ بفتحتين جمع الفتخة خواتيم كبار تلبس في الأيدي “، ونحو ذلك . فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس.
قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لابد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك . ” فما ظهر ” على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه.
قال القرطبي:
قلت هذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما . يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال لها: ” يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا..” وأشار إلى وجهه، وكفه، فهذا أقوى في جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها.
وبهذا يظهر أن ” ما ظهر منها ” لا يدخل فيه الشعر بحال من الأحوال، بل من العلماء من أخرج الوجه نفسه مما ظهر منها.
الوجه الثاني: إن الله أمر المؤمنات في الآية بضرب خمرهن على جيوبهن والجيوب مواضع فتحات الثياب وهي الصدور . والخمر – كما قال المفسرون – جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها – ومنه اختمرت المرأة، وتخمرت، هي حسنة الخمرة (انظر مثلا القرطبي جـ 12، ص230) وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: الخمار للمرأة كالعمامة للرجل . وهذا ما تنص عليه كتب اللغة أيضًا.
قال في القاموس، الخمار: النصيف . وفي مادة نصف . قال: النصيف، الخمار والعمامة وكل ما غطى الرأس . وقال في المصباح: الخمار ثوب تغطي به المرأة رأسها.
هذا وقد تطلق لفظة ” الخمار ” على كل غطاء كما في الحديث ” خمروا الآنية ” أي غطوها، ويبدو أن هذا المعنى هو الذي ضلل الذين جادلوا في شأن الشعر . مع أن هذا المعنى العام غير المعنى الخاص الذي جاءت به الآية . وإذا كان اللفظ يراد به أكثر من معنى، فإن القرائن وسياق الكلام هو الذي يحدد المعنى المراد منه.
وتفسير الخمار في الآية بغطاء الرأس لا جدال فيه، ومما يؤيد ذلك نزول الآية، وتعبد نساء المؤمنين بها مهاجرين وأنصارًا كما وردت بذلك أصح الروايات.
سبب نزول آية الحجاب؟
قال القرطبي:
وسبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رءوسهن بالأخمرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر، فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك، فأمر الله بلي الخمار على الجيوب .
وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر صدرها، وروى البخاري عن عائشة أنها قالت: “رحم الله نساء المهاجرات الأول لما نزل (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن أزرهن فاختمرن بها”.
ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمن رضي الله عنهم ،وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هناك، فشقته عليها وقالت: إنما يضرب بالكثيف الذي يستر .