الأصل في الشريعة الإسلامية-كما ذكر العلماء- حظر إفشاء السر، وإفشاؤه بدون مقتض معتبر موجب للمؤاخذة شرعًا، ولكن إذا كان الكتمان سيتعدى ضرره إلى الآخرين فيجب إفشاؤه، ويجوز إفشاؤه إذا كان سيحقق مصلحة دون جلب مفسدة.
هل يجوز إعطاء ضعيف النظر شهادة لياقة للإستمرار في عمله؟
يقول الدكتور عجيل النشمي أستاذ الشريعة بالكويت:
يجب على طبيب العيون في حال أن المريض ضعيف النظر يبيِّن الحقيقة ويكشف السر دفعاً للمفسدة من كتمان هذا الأمر الخطير، لما فيه من ضرر يلحق المريض كما يلحق غيره من أسرته، أو غيرهم، وفي سبيل دفع الضرر العام يتحمل الضرر الخاص، وهو ضرر فصله من وظيفته، لأن كتمان هذا الأمر قد يكون سبباً في ضرر عام لمن سيركب معه،
والتستر على هذا الرجل مع معرفة الطبيب ورجحان ظنه بأن ضعف نظره قد يسبب ضرراً أو كارثة للشخص نفسه أو للغير يعتبر خيانة للأمانة، وربما كان شريكاً فيما قد يحدث من كارثة، وقد لا تقل خطورة التستر على هذا الأمر خاصة للطيار أو قائد سفينة عن التستر على مدمن للخمر أو على مجرم، ولا شك أن تزويد هذا الرجل بشهادة لياقة حرام لأنه تدليس وغش ويتحمل الطبيب في هذه الحال كل ما يترتب على ذلك من آثام.أ.هـ
من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة؟
حثت الشريعة الإسلامية على الستر، وكافأت من يستر مسلما في الدنيا بستره في الآخرة ففي السنة نجد كثيرًا من الأحاديث التي تحض على الستر منها قوله ﷺ: “لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة” رواه مسلم
فأحد أسباب الستر يوم القيامة هو أن يستر العبد أخاه في الدنيا، ومعنى الستر ألاّ يفضح أمره ، وينشر ما يسوء من أفعاله بين الناس.
ومنها قوله ﷺ: “لا يرى مؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلا أدخله الله بها الجنة”(كنز العمال)، فهذا وعد من الله تعالى لمن يستر عورة أخيه أن يدخله الجنة وهذا على سبيل الحصر والقصر.
وقال ﷺ: “من ستر عورة فكأنما استحيا موءودة في قبرها ” رواه أبو داود، بل والأكثر من ذلك نجده يقول لهزال وهو من نصح ماعزا أن يعترف بما اقترف من الزنى “لو سترته بثوبك كان خيرًا لك” رواه أبو داود.
وهذا الستر هو الأصل في كل الأمور ما دام مرتبطا بالفرد نفسه ولم يتعد ضرر الكتمان للآخرين، أما إن كان الضرر سيطال الآخرين فيجب كشف السر درءا للخطر الأكبر، ويجوز كشفه في حال وجود مصلحة لا مفسدة.
ما هي الحالات التي يستثنى منها كتمان سر المريض؟
جاء في قرارات مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ، الموافق 21-27 يونيو 1993م.
“تستثنى من وجوب كتمان السر حالات يؤدي فيها كتمانه إلى ضرر يفوق ضرر إفشائه بالنسبة لصاحبه، أو يكون في إفشائه مصلحة ترجح على مضرة كتمانه، وهذه الحالات على ضربين:
أ – حالات يجب فيها إفشاء السر بناء على قاعدة ارتكاب أهون الضررين لتفويت أشدهما، وقاعدة تحقيق المصلحة العامة التي تقضي بتحمل الضرر الخاص لدرء الضرر العام إذا تعين ذلك لدرئه.
وهذه الحالات نوعان:
– ما فيه درء مفسدة عن المجتمع.
– وما فيه درء مفسدة عن الفرد.
ب – حالات يجوز فيها إفشاء السر لما فيه:
– جلب مصلحة للمجتمع.
– أو درء مفسدة عامة.
وهذه الحالات يجب الالتزام فيها بمقاصد الشريعة وأولوياتها من حيث حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
ج – الاستثناءات بشأن مواطن وجوب الإفشاء أو جوازه ينبغي أن ينص عليها في نظام مزاولة المهن الطبية وغيره من الأنظمة، موضحة ومنصوصًا عليها على سبيل الحصر، مع تفصيل كيفية الإفشاء، ولمن يكون، وتقوم الجهات المسئولة بتوعية الكافة بهذه المواطن.