يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

إننا نعيش في زمن كثرت فيه الفتن، وتنوعت فيه أساليب الباطل ووسائله، التي ربما وصلت إلى كل بيت مسلم، بل إلى كل غرفة في بيت مسلم.

وهذه الفتن تارة تكون من جهة الشهوات المحرمة، والصور الخليعة، والمحادثات الماجنة، وهذا طريق للشر والفتنة والزنا والعياذ بالله.

وتارة تكون فتنا وشبُهات فكرية مضلة، أفكار منحرفة، عقائد زائفة وزائغة وضالة، يتعرض لها أولادنا في كل حال.

والواجب على المسلم التنبه لأعدائه من كل صوب. أعداء المسلم: كافر خبيث، ومنافق مستتر، وشيطان مارد، وهوى متبع، فليحذر المسلم من أعدائه.

أمانة التربية ووقاية الأهل من النار؟

أمرنا الله سبحانه وتعالى بالعمل على وقاية أنفسنا وأهلينا شر النار فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )التحريم/6.

قوا أنفسكم من النار وشر النار، يعني ابتعدوا عن أسباب وطرق دخول النار والعياذ بالله تعالى، وأهليكم من الزوجة والولد.

قال علي رضي الله عنه في هذه الآية: (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا): علموهم، أدبوهم. لا تهمل تعليم ولدك ما ينفعه من عقيدة صحيحة، وإيمان بالله، وخلق واستقامة؛ لأن الله عز وجل أمر بهذا، وهذه من الأمانة التي حُمِّلها الأب، وحُمِّلها الأم.

تأملات تربوية في وصايا لقمان؟

في القرآن أمثلة عظيمة:
-هذا لقمان يقول لابنه كما قال تعالى: ( يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )لقمان/13. بدأ بأهم الأمور: التحذير من الشرك والكفر بالله.
وقال تعالى: ( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ )لقمان/14، ذكّره بحق والديه عليه.
وقال تعالى: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكِ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ )لقمان/17. ذكّره بالفرائض: الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

-ثم انتقل إلى الأخلاق قال تعالى: ( وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )لقمان/18، وقال تعالى: ( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ )لقمان/19.

وصايا عظيمة، بدأت بالتوحيد والصلاة والأوامر الشرعية، ثم انتقل إلى الأخلاق والآداب والسلوك.

تربية الأبناء أمانة ومسؤلية أمام الله تعالى؟

الأولاد أمانة، والأهل أمانة. من لقي الله عز وجل مضيعا لأمانته حُرم دخول الجنة.
-قال عليه الصلاة والسلام: “ما مِنْ عبدٍ يسترْعيه اللهُ رعيَّةً ، يموتُ يومَ يموتُ ، وهوَ غاشٌّ لرعِيَّتِهِ ، إلَّا حرّمَ اللهُ عليْهِ الجنَّةَ”البخاري ومسلم.شيء مخيف! أمانة ومسؤولية أمام الله عز وجل.
-وقال عليه الصلاة والسلام في حديث مسلم: “كَفى بالمَرءِ إثمًا أن يَحبِسَ عَمَّن يَملِكُ قُوتَه”، كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت أولا في طعامه وشرابه ولباسه، ولكن المسؤولية لا تقف عند الطعام والشراب، وتوفير الأجهزة الحديثة، وتوفير خدمة الجوال والإنترنت في اليوم والليلة، لا! أنت مسؤول أمام الله عز وجل عن دينهم وعن أخلاقهم.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «أكثر فساد الأولاد إنما جاء من تضييع آبائهم لهم وتربيتهم». أكثر فساد الأولاد وانحراف البنات والشباب إنما جاء من إهمال التربية، من إهمال الأب لأبنائه، وانشغاله إما بتجارته وإما برحلاته وإما بكثرة خروجه، وهكذا المرأة الأم، مشغولة عن أهلها، مشغولة عن بيتها وأولادها، فجاء فساد الأولاد من هذا، ضيعوا التربية وضيعوا التوجيه فانحرف الأبناء.

الله عز وجل أمرك أيها المسلم أن تكون مع أهلك قدر استطاعتك، لا تتركهم، لا تكثر السفر بغير حاجة، لا تكثر الخروج من البيت بغير حاجة.

كان النبي ﷺ يصلي ثم يدخل بيته. سأل الصحابة عائشة رضي الله عنها: “ما كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَصنَعُ في بَيتِه؟ قالت: كان يَكونُ في مِهنةِ أهلِه” -تَعني خِدمةَ أهلِه- كل ما يحتاجه أهله يوفره لهم، يعينهم، يأمرهم، ينهاهم، يصلي أمامهم.

الأب القدوة، والأم القدوة لأبنائها وبناتها، تصلي أمامهم، تقرأ القرآن أمامهم، تذكر الله أمامهم، حتى ينتفعوا بها وبقربها.

نصائح في تربية الأبناء ومراقبة الله؟

1- معاملة الأبناء بالرفق والمصاحبة:
-أن تكون صديقا لأولادك، تحاورهم، تضحك معهم، تؤنسهم، تغنيهم عن مرافقة الأشرار. لا تترك ولدك دائما في فراغ، لا تترك أولادك كل في غرفته وفي نفسه، كن معهم، كن صديقا لهم قريبا، معلما مربيا.
المراقبة والمصاحبة لا تعني القسوة، ولا تعني الشدة، ولا تعني الاتهام بغير بينة، ولا ظن السوء، وإنما الرفق حث عليه الرسول ﷺ، بل حث عليه رب العالمين: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )آل عمران/159.

ويقول الرسول ﷺ: “إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلَّا زانه , ولا نُزِع من شيءٍ إلَّا شانه”مسلم وأبوداود وأحمد.

-كن رفيقا، رحيما، معلما، مؤدبا. الشدة في موضعها، والرحمة في موضعها، العقوبة تكون في موضعها؛ عند ترك الصلاة، عند فعل المنكر، وهكذا يجمع المسلم بين هذا وهذا.

2- ترسيخ المراقبة الذاتية وشغل أوقات الفراغ:

-من الأمور العظيمة أن تحيي فيهم الرقابة الذاتية، أن يراقب الولد الله عز وجل على كل حال، في حضورك وغيبتك، أحيِ فيهم مراقبة الله. قل له يقول الله عز وجل: ( أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ )العلق/14. الله يراك! وفي مراتب الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. الله يراك يا ولدي على كل حال، بحضوري وبغيابي. هذا من أعظم ما يعين على الاستقامة.

-وكذلك شغل أوقات فراغهم بالنافع؛ من العلم، من حلقات المساجد، من حلقات الصالحين، من رفقة وصحبة أهل الخير. اشغلهم بما ينفعهم، ودلهم على أهل الخير ووسائل الخير.

-انشر بينهم كل ما ينفعهم من قول وفتيا، اربطهم بالعلماء، بالدعاة الصالحين، لا يشتغل الأولاد اليوم بسؤال الأجهزة والذكاء الاصطناعي، كل له حده.

فينبغي للعبد أن يكون رقيبا على أهله، معلما، مربيا، مؤدبا.

3- الدعاء للأبناء والابتهال إلى الله؟

وأخيرا، بل أولا، ألا تغفل عن الدعاء لهم بالصلاح والهداية والاستقامة: قال تعالى: ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا )الفرقان/74.

اللهم أصلح نياتنا، وأصلح ذرياتنا. اللهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما.