الأصل هو عدم جواز كتابة النص القرآني بغير الحرف العربي، حيث لا يقوم مقام الحرف العربي حرف آخر في التعبير عن القرآن الكريم، وإذا ترخصنا في كتابة الفاتحة أو بعض الآيات القصار، فيجب أن يكون في حدود الضرورة القصوى، وما أُبيح للضرورة، يقدر بقدرها، كما هو مقرر في القواعد الشرعية.
وقد دلت النصوص الشريعة وأجمع علماء الإسلام على وجوب صيانة كلام الله تعالى من التحريف والتغيير ، ولا شك أن كتابته بغير اللغة العربية هي من أقرب الطرق إلى تحريف لفظه ومعناه .
هل يجوز كتابة القرآن بغير العربية؟
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:
أنزل الله تعالى القرآن عربيًا، وقد نصت على ذلك آيات كثيرة، منها:
-قوله تعالى: ( إنا أنزلناه قرآنًا عَرَبِيًا لَعَلّكم تَعْقِلون )يوسف/2.
وقوله تعالى: ( وكذلك أنزلناه حكمًا عربيًا )الرعد/37.
وقوله تعالى: ( وإنه لتنْزِيل رَبّ العالمين. نَزَل به الرُّوحُ الأمين. على قَلْبِك لِتَكُون من المُنْذِرِين. بِلِسَان عَرَبيٍّ مُبِين )الشعراء/192 – 195.
وقوله تعالى: ( قُرآنًا عَرَبِيًا غَير ذِي عِوَجٍ )الزمر/28.
وقوله تعالى: ( كتاب فصلت آياته قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون )فصلت/3.
وقوله تعالى: ( إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون )الزخرف/3.
وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكتب هذا القرآن الكريم منذ أنزل على رسوله – ﷺ- بالحرف العربي المعبر عن اللسان العربي، فهو قرآن وكتاب، ومن حيث هو قرآن: يتلى باللسان العربي، ومن حيث هو كتاب: يكتب بالحرف العربي المعبر عن الأصوات التي تميزت بها العربية.
وعلى هذا أجمعت الأمة منذ عهد النبي – ﷺ-، وعهد خلفائه الراشدين المهديين الذين أمرنا أن نتمسك بسنتهم، ونعض عليها بالنواجذ.
وقد تميز هذا القرآن عن الكتب السماوية التي سبقته بأن الله تعالى تولى حفظه بنفسه قال تعالى: ( إنا نحن نزلنا الذِّكْرَ وإنا له لحافظون)الحجر/9.
ومن دلائل هذا الحفظ أن قيض الله تعالى له من استظهره وحفظه في صدره، وهو ما لم يعرف لأي كتاب مقدس آخر، وحفاظ القرآن كله يعدون بعشرات الألوف، ومنهم صبيان لا يتجاوزون السابعة من العمر، بل منهم أعاجم لا يحسنون فهم كلمة من العربية، ولكنهم يحفظون القرآن لا يخرمون منه حرفًا، وقد شاهدت ذلك لدى الباكستانيين والهنود والأتراك. . . وغيرهم.
ومن دلائل هذا الحفظ أن الأمة الإسلامية منذ عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان -أي بعد وفاة النبي الكريم- ببضعة عشر عامًا، تلقت بالقبول المصاحف التي كتبت في ذلك الوقت بإشراف لجنة علمية على رأسها زيد بن ثابت – رضي الله عنه- وأجمعت على أن تبقى هذه المصاحف كما رسمت، لا تغيِّر فيها ولا تبدِّل، رغم تطـور طرائق الرسـم والإملاء، إلا ما اقتضته الضرورة في أضيق الحدود التي لا تغير من صورة الكلمة المكتوبة، وفي هذه الحدود زادوا النقط والشكل.
وبقي المصحف برسمه العثماني إلى يومنا هذا، ولم يقبل أحد من المسلمين أن يغير رسمه إلى الرسم الإملائي المعتاد، وإن كان أيسر على الناس، مبالغة في الحفاظ على النص القرآني من أي تغيير قد يحدث في المستقبل خطأ أو عمدًا.
وإذا كان هذا هو موقف المسلمين الإجماعي من الرسم العثماني للنص القرآني وحرصهم عليه، ورفضهم لأي تغيير في صورته مع بقاء الحرف العربي كما هو، فكيف نجيز كتابة النص القرآني بحرف آخر غير الحرف العربي، مثل الحرف اللاتيني، مع أن هذا الحرف لا يوجد به ما يعبر عن كل الأصوات العربية التي لها أحرف خاصة في لغة العرب، مثل الصاد والضاد، والطاء والظاء، والعين والحاء، ونحوها.
ومن هنا ينبغي أن يفهم أن الأصل في الفتوى: هو عدم جواز كتابة النص القرآني بغير الحرف العربي. وإذا ترخصنا في كتابة الفاتحة أو بعض الآيات القصار، فيجب أن يكون في حدود الضرورة القصوى، وما أُبيح للضرورة، يقدر بقدرها، كما هو مقرر في القواعد الشرعية.
ما هو السبب في تحريم كتابة القرآن بحروف غير العربية؟
1- إن القرآن قد نزل بلسان عربي مبين ، حروفه ومعانيه ، قال تعالى :
( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) والمكتوب بغير العربية لا يسمى قرآناً ؛ لقوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) وقوله تعالى : ( لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) .
2 – إن القرآن كتب حين نزوله بالحروف العربية ، وفي عهد أبي بكر رضي الله عنه كذلك ، وعثمان رضي الله عنه ، ووافق على ذلك الصحابة – رضي الله عنهم – ومن تبعهم إلى يومنا هذا، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال : “…عليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ المهديّين الراشدين تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذِ….”أبو داود وأحمد .
3 – يخشى إذا فتح باب الجواز بكتابة القرآن بغير العربية أن يفضي إلى التغيير كلما اختلف الاصطلاح ، وأن تختلف القراءة تبعاً لذلك.
4 – يخشى إذا فتح باب الجواز بكتابة القرآن بغير العربية أن يصير القرآن ألعوبة بأيدي الناس، فيقترح كل أن يكتبه بلغته ، وبما يجد من اللغات ، فيجب أن يصان القرآن عن ذلك صيانة للإسلام وحفظا لكتاب الله من العبث والاضطرابات .
لكن من عجز عن كتابته بالعربية ، أو أراد أن يستشهد بشيء منه في كتاب كتبه بغير لغة العرب ، فله أن يكتب ترجمة تفسيرية لما أراد أن يستشهد به ، لا أن يكتبه للتلاوة والتعبد.