يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

لا يخفى على كل مسلم أن القرآن العظيم والذكر الحكيم هو:

-روح هذه الأمة.

-وهو رحمة الله عز وجل لها.

-وهو النعمة الكبرى التي امتن الله سبحانه وتعالى بها على أمة محمد .

-وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

-و قد جعل الله سبحانه وتعالى فيه الرحمة والهداية والطمأنينة والشفاء.

قال سبحانه وتعالى:( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) الاسراء 9.

قال عز وجل ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ) الاسراء 82.

وجاء في حديث النبي : “أن من أخذ بهذا القرآن رفعه الله” قال سبحانه قال “إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ به آخَرِينَ” صحيح مسلم.

فضل الأخذ بكتاب الله وتدبر آياته؟

الرفعة والتمكين في الأرض والسيادة والقوة إنما تكون بالأخذ بكتاب الله سبحانه وتعالى، ومن فضل الله عز وجل العظيم علينا أن أنزله بلساننا، بلسان العرب، كما قال سبحانه وتعالى ( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ) الشعراء195، ودعانا الله عز وجل إلى قراءته وإلى فهمه وتدبره والعمل به، فليس القرآن أنزل للتلاوة فقط، أو للقراءة فقط، أو تحسين الأصوات به فقط، لا، القرآن أنزله الله عز وجل لكي يتلى وليتبع، ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ) البقرة 121، التلاوة تكون بالقراءة، والتلاوة تكون بالاتباع له، واتباعه والعمل به لا يمكن أن يكون إلا بعد أن يفهمه الإنسان، بعد فهمه، وبعد تدبر،

والله سبحانه وتعالى دعى إلى تدبره فقال ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) سورة ص29، وهذه اللام كما قال أهل التفسير هي لام الأمر، و هذا يدل على أن التدبر مأمور بـه، ويدل على كونه أمرا أمر الله عز وجل به، أن الله سبحانه وتعالى ذم المعرضين عنه، ذم المعرضين عن التدبر، ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) محمد 24، هذا يدل على الذنب لمن أعرض عن تدبر كلام الله سبحانه و تعالى.

التفكر والتدبر في آيات الله عز وجل، هو أمر كما ذكرنا أمر الله عز وجل به، وذم المعرضين عنه، وليس هناك شيء أنفع للإنسان من تدبر كتاب الله عز وجل.

للإمام ابن القيم رحمه الله كلام طويل في المدارج يقول: فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته، من تدبر القرآن، وإطالة التأمل، وجمع على الفكر على معاني آياته، فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى طرقهما وأسبابهما، وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتضع في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، إلى آخر كلامه رحمه الله الذي سأقه في كتابه النفيس المدارج.

-القواعد جمع قاعدة والقاعدة هي ما يبنى عليه غيره، هي الأس أو الأساس فالقواعد هي مجموعة الأسس التي يقوم عليها الشيء، والتدبر مأخوذ من النظر في الدبر، أي الآخر والعاقبة، فالتدبر معناه النظر في المآلات، النظر في عواقب الأمور، وهو غير التفسير، التفسير الشرح والبيان، من فسر الشيء يعني أوضحه وبيّنه وكشفه، فالتفسير كشف لمعاني آيات الله عز وجل، هذا هو التفسير.

-أما الإنسان يكشف معاني الكلمات ويبينها للناس، أما التدبّر فهو النظر في مآلات كلام الله سبحانه وتعالى، النظر في هذه المآلات التي تنبني عليها قواعد عظيمة في الشرع، بل كما ذكر أهل العلم أن أمر الله عز وجل الشرعي والقدري لا يخرج عن كلمات الله عز وجل.

-من أراد أن يفهم أوامر الله عز وجل الشرعية فلينظر في كتاب الله، ومن أراد أن ينظر في أوامر الله عز وجل القدرية وحكمتها، فلينظر في كتاب الله وليتأمل وليتفكر.

ما هي قواعد تدبر القرآن؟

ذكر أهل العلم قواعد نذكر منها ما تيسر
القاعدة الأولى – التدبر والفهم:
إن عبادة تدبر القرآن عبادة عظيمة، ووظيفة جليلة يقوم بها الأفذاذ من العلماء وطلبة العلم.
الفهم لكلام الله عز وجل يعني الوقوف على تفسير كتاب الله عز وجل، إذ لا يمكن للإنسان أن يتدبر الآيات وهو لا يعرف معناها، كما ذكر أهل العلم قديما وحديثا، شيخ الاسلام رحمة الله عليه يقول وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، لا يمكن أن يتدبر الإنسان الكلام دون أن يفهم معانيه، فإذا لا بد من الوقوف على التفسير أولا، قال العلامة الزركشي المفسر والفقيه، التفسير علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم النحو و التصريف، وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ.

أحسن طرق التفسير؟

فإذا قيل ما هي أحسن طرق التفسير، هذا لا بد من بيانه، عندما نقول إن تدبر كلام الله عز وجل لا يمكن إلا بالوقوف على تفسيره، فما هي أحسن طرق التفسير؟

ذكر علمة الإسلام هذه الطرق التي أولها تفسير كلام الله عز وجل بكلام الله.

فما أجمل في موضع، فصل في موضع آخر، وما أبهم في موضع بيّن في مكان آخر، فالكتاب العزيز القرآن العظيم يشرح نفسه وبنفسه، ويمكن لقارئ القرآن وحافظ القرآن أن يقف على تفسير كلام الله عز وجل بكلام الله.

نضرب مثالعلى هذا قول الله عز وجل الحمد لله رب العالمين ما العالمون؟ هنا جاءت مجملة، فسرت وفصلت في سورة الشعراء23-24 ( قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ) إذن عالم السموات وعالم الأرض، فالله عز وجل رب العالمين وما بينهما وهو رب العوالم كلها سبحانه وتعالى، وهكذا إذا رجعت إلى كلام الله عز وجل تجد فيه تفسيراً لبعضه البعض؟

الله عز وجل يقول ( بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) النحل 44.

ثم تفسير القرآن بالسنة فإن النبي بالإجماع قد بيّن للأمة كلام الله عز وجل بلفظه ومعانيه، ما كان النبي ينقل الكلام، كلام الله عز وجل للصحابة دون بيان معناه، والأصل أن الصحابة رضي الله عنهم عرب أقحاح، معنى أقحاح أنهم ما اختلطوا بغيرهم من الأمم، ولذلك يفهمون كلام الله عز وجل في الغالب، لكن لو استشكل الصحابة شيئاً، بيّنه لهم رسول الله ، كما في الآية ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) الأنعام 82، قال الصحابة أينا لم يضلم نفسه قال لهم النبي ليس الأمر ما تقولون أو ما تظنون إنما هو قول العبد الصالح ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) لقمان 13.

ثم بعد ذلك تفسير القرآن بأقوال الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم أعلم الناس بكلام الله.

-يقول ابن مسعود رضي الله عنه، والله الذي لا إله إلا هو ما أنزلت آية إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيمن أنزلت وما أراد الله سبحانه وتعالى بها ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه المطايا لرحلت إليه.

-وهكذا ابن عباس رضي الله عنهما ترجمان القرآن الذي كان الصحابه رضي الله عنهم يرجعون إليه، ونقل عنهم هذا العلم التابعون، تلامذة الصحابة كمجاهل بن الجبر تلميذ ابن عباس، كعكرمه  تلميذ بن عباس، كعطاء بن أبي رباح تلميذ بن عباس، كعلقمه تلميذ ابن مسعود، ومسروق وهكذا، أخذ التابعون عن الصحابة رضي الله عنهم علم التفسير.

-يقول مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث مرات أوقفه عند كل آية أسأله عن معناها.

-ولذلك قال سفيان إذا جاءك التفسير عن مجاهد فعليك به.

-فكان هذا العلم أخذه عن ترجمان القرآن فعليك به.

-فالتابعون نقلوا علم الصحابة في القرآن، والصحابة قد نقلوا هذا العلم عن رسول الله ,

ولذلك هاهنا تنبيه مهم وهو: أنه لا يجوز الخروج عن فهم السلف الصالح رضي الله عنهم في القرآن الكريم والذكر الحكيم، لا يجوز الخروج عن فهمهم، والإتيان بقول لم يقله أحد منهم، لأن هذا خروج عن فهم السلف رضي الله عنهم وأرضاهم.

-وقال أهل العلم قوله إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، دليل على أنه لا يمكن أن يجتمع السلف على تفسير آية خطأ أو ضلالة أبداً، لا يمكن أن تجتمع الأمة على ضلاله، لهذا لا يجوز الخروج عن فهم السلف رضي الله عنهم وأرضاهم في تفسير كلام الله سبحانه وتعالى.

إذا الواجب على من أراد أن يفهم كلام الله أن يرجع إلى هذه الطرق التي وردت في تفسير كلام الله عز وجل.

القاعدة الثانية – العلم باللغة العربية:

يلزم من أراد تدبر كلام الله عز وجل أن يكون له علم بالعربية، بلغة العرب لأنها اللغة التي نزل بها القرآن العظيم، والله سبحانه وتعالى صرح بهذا وقال ( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ) الشعراء 195، وقال تعالى: ( لَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) فصلت 44، فربنا سبحانه وتعالى أتم النعمة وأقام الحجة بنزول القرآن الكريم بكلام العرب.

المعرفة باللغة العربية معينة جداً على معرفة كلام الله سبحانه وتعالى، وعلى معرفة دقائق التعبير في القرآن، والوقوف على الإعجاز القرآني في التعبير، والانسان العامي لا يستطيع أن يميز إلا إذا درس، ووقف على طرائق العرب، صحيح أن القرآن كلام عربي يفهمه كل إنسان، السماء والأرض والبحر والبر والذكر والأنثى، هذا أمر يفهمه كل إنسان، لكن هناك أمور يذكرها أهل التفسير تدل على البلاغة، وعلى البيان، وعلى الفصاحة، وعلى أمور عظيمة.

مثال على هذا أن أهل التفسير قالوا إن الله سبحانه وتعالى قال في الفاتحة ( إياك نعبد ) ولم يقل نعبدك وإنما قال إياك نعبد، وهذا التعبير يدل على الاختصاص، أي لا نعبد إلا إياك، وإياك نستعين مثلها، هذا الفرق هل يمكن الانسان العادي من أن يطلع عليه؟ لايمكن، إلا إذا عرف تعبير العرب، ولسان العرب الذي تميزوا به عن سائر الأمم.

القاعدة الثالثة – الوقوف على سيرة النبي :

فالسنة النبوية فيها تفسير لكلام الله، الوقوف على السيرة النبوية التي تتضمن أقوال النبي وأفعاله، التي تتضمن غزواته، تتضمن عمرته وحجه، تتضمن أخلاقه مع الناس ، تتضمن عشرته مع زوجاته، مع أصحابه، مع أعدائه، في أسفاره، في مسجده، الإنسان المطلع على السيرة يكون هذا داعم له في تدبر كلام الله سبحانه وتعالى ومعرفة بيانه وتفسيره، فرسولنا عليه الصلاة والسلام هو المثل لهذه الأمة، ولهذا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما سألت كيف كان خلق النبي قالت: كان خلقه القرآن، يعني إذا أردت أن تعرف أخلاق النبي اقرأ القرآن، فمعرفة سيرة النبي معينة على تدبر كلام الله سبحانه وتعالى.

القاعدة الرابعة – الوقوف على مآلات الآيات وتدبرها:

الوقوف على أسباب النزول، أسباب النزول أمر مهم للمفسر والمتدبر، المفسر إذا وقف على سبب نزول الآية أعانه ذلك على فهم الآية، وكذلك المتدبر إذا علم أسباب النزول، وهي من العلوم المهمة التي أولاها أهل العلم قديماً وحديثاً بالتأليف.

ألف فيها جملة من أهل العلم من أشهدهم الواحيدي الحافظ الواحدي المفسر، و اختصر كتابه، وجاء السيوطي وألف كتابا جامعا سماه الباب النقول في أسباب النزول، وللشيخ مقبل رحمة الله عليه رسالة مفيدة جدا اسمها الصحيح المسند من أسباب النزول، وهناك أيضا كتب أخرى في هذا الباب، تنوعت فيها الأساليب، من هم من يذكر الأسباب بالإسناد، ومنهم من يذكره بغير إسناد.

سبب النزول طريق مهم في فهم معاني القرآن هذا كلام الحافظ بن حجر، سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن، فإذا وقف الإنسان على سبب النزول كان هذا معينا له على فهم الآية، ومعينا له على تدبر الآيات، يعني الآيات النازلة في غزوة أحد، غزوة بدر، في الحديبية، في فتح مكة، في غيرها، هذه الأسباب تعين العبد على معرفة كلام الله سبحانه وتعالى.

القاعدة الخامسة – العكوف على القرآن العظيم والإنقطاع إليه:

فإنك كلما كررت النظر فيه، وفي معانيه وفي تفسير، زادك الله عز وجل علماً، وزادك فهما، ونظرا عميقا في حالك وأحوال غيرك، بل في حال الدنيا والآخرة، فالإنسان اذا كرر النظر أعطاه الله سبحانه وتعالى من كنوز هذا القرآن.

ولذلك جاء عن ابن مسعود أنه قال: أثيروا هذا القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين، أثيروا يعني قلبوا آيات هذا القرآن، قلبوا النظر فيها، قلبوا الفهم، انظروا في الآية من كل جهة، فإن فيه علم الأولين والآخرين.

القرآن كتاب لو أمضيت حياتك كلها في فهمه وفي تدبره لم يكن ذلك كافيا، ولذلك كتب التفسير إذا راجع الإنسان تفسير الآيات، في ابن جرير الطبري، وفي القرطبي، وفي الواحدي، وفي تفسير بن كثير، وفي تفسير البغوي، وفي غيرها من التفاسير، وجد لدى كل واحد منهم فوائد، قد لا يجدها أو لم يجدها فيمن قبله من أهل التفسير، ولا شك أن هذا يحتاج إلى الجهد العظيم، والوقت الذي ربما يمضي فيه الإنسان حياته، حتى يمكنه الوقوف على هذه التدبرات القرآنية.

التدبر علم عظيم يقوم على أسس و على قواعد لا يجوز للإنسان أن يهجم على تفسير آية بغير علم، فإن هذا والعياذ بالله أمر خطير، الصحابة رضي الله عنهم نقل عنهم التشديد في هذا الباب، صديق هذه الأمة يقول أي أرض تقلني وأي سماء تضلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم، كيف أتكلم في كلام الله؟ وفي كتاب الله بشيء لا أعلمه، أين أذهب من الله سبحانه وتعالى؟ ولا شك أن هذا خطير وداخل في قول الله عز وجل في أعظم المحرمات ( وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) البقرة 169.