يرى فضيلة الشيخ نصر فريد واصل مفتي مصر سابقا:
أن هذا الأمر لايجوز إلا في حالة الضرورة القصوى، وبعد استنفاذ الوسائل الأخرى حفاظا على نفس الحيوان، التي صانها الشرع الحنيف وأمر الناس بصيانتها وعدم إيذائها.
من المعلوم من الدين بالضرورة والمقرر شرعا أن الإسلام دين الرحمة والرأفة والرفق بجميع مخلوقات الله: الإنسان والحيوان وغيرهما على حد سواء.
الرفق في الشريعة؟
يقول فضيلة الشيخ نصر فريد واصل:
الرفق جماع كثير من الفضائل، فمن أُعطي الرفق فقد غنم سعادة الدنيا بحسن الذكر وجميل الأحدوثة، وسعادة الآخرة بوافر الأجر وعظيم الثواب، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
-فلقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: “يا عائِشةُ، إنَّ اللهَ رَفيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، ويُعطي على الرِّفقِ ما لا يُعطي على العُنفِ، وما لا يُعطي على ما سِواه”البخاري،مسلم.
-وعنه ﷺ أيضا أنه قال: “إنَّ الرِّفقَ لا يَكونُ في شَيءٍ إلَّا زانَه، ولا يُنزَعُ مِن شَيءٍ إلَّا شانَه”مسلم.
-ولقد روي أن رسول الله ﷺ قال: “ذِّبَتِ امرَأةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتها حتَّى ماتَت، فدَخَلَت فيها النَّارَ؛ لا هي أطعَمَتها ولا سَقَتها إذ حَبَسَتها، ولا هي تَرَكَتها تَأكُلُ مِن خَشاشِ الأرضِ”البخاري،مسلم.
ومما لا ريب فيه أن مثل هذه الأخبار لا تدخل للرأي فيها، بل سبيلها إخبار الصادق المصدوق عن ربه عز وجل، فالواجب التصديق بها ما دامت صحيحة الأسانيد كما نرى.
كما أنه قد ورد في الأثر أن بعض الحيوانات لها كرامة كما هو مقرر في القرآن والتاريخ.
-كما أن هذه المخلوقات كلها ومنها القطط مسبحة لله في علاه؛ لقوله تعالى: ( إِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا )الإسراء44.
ولكن مما لا شك فيه أن مصلحة الإنسان وسلامة بدنه مقدمة على ما عداها؛ فلأجل الإنسان خلق الله الكون كله وسخره لخدمته.
وقد يقال في بادئ الأمر إن قتل الحيوان كيفما كان مما تنبئ عنه النصوص الواردة في الرفق به؛ لأن في قتله إيلاما له وتعذيبا.
هل يجوز التحلص من القطط المؤذية؟
يقول فضيلة الشيخ نصر فريد واصل:
من أمعن النظر في تعاليم الشريعة الغراء وراض نفسه على فهم حكمها وأسرارها، يرى أنها ترمي دائما إلى رقي النوع الإنساني على مدارج السعادة والاحتفاظ بنفسه وماله من موارد الهلكة والدمار؛ لذلك نرى أن الشريعة الإسلامية قد أباحت بل أوجبت قتل الباغي؛ لقوله تعالى: ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )الحجرات9..
كما أوجبت الشريعة بتر العضو الفاسد الذي بتركه يتسرب الفساد إلى المجموع بقوله تعالى: ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )البقرة195.
وإذا كانت هذه هي تعاليم السنة الشريفة في حفظ النوع الإنساني من عدوان بعض أفراده على بعض، فأيضا إذا ابتدره بالأذى أنواع أخرى من الحيوان أحط منه رتبة وأقل كرامة عند الله، وأصبحت من الخطورة على حياته بمكان بحيث تهدده في نفسه أو ماله.
عند ذلك ترخص له الضرورة التخلص منها والضرورة تقدر بقدر الحاجة.
ولا جرم أن التخلص منها يكون ألزم وإبادتها أوجب، وقد جاءت على هذه القاعدة ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “قال رسول الله ﷺ: “خمسٌ فواسقُ يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ : الحيةُ والفأرةُ والغرابُ الأبقعُ والكلبُ والحِدَأَةُ”البخاري،مسلم.
وبناء على ما سبق:
أولا: إذا كانت القطط من الكثرة بمكان، فمما لا شك فيه أن مثل هذه الحيوانات إنما تكثر في الأماكن التي يتوفر فيها رزقها وطعامها من فضلات وخلافه، ولو عمل المسئولون على تلافي هذه المخلفات، فسوف ترحل إلى مكان آخر باحثة عن رزقها، وبذلك نكون قد تخلصنا من عنصرين لهما من المضار بمكان: المخلفات، والقطط.
ثانيا: إذا أمكن التخلص من المخلفات، ورغم ذلك فهي باقية فإنه يجب في مثل هذه الحالة استعمال الوسائل العلمية الحديثة من نصب مصايد لها وجمعها وإرسالها إلى جمعية الرفق بالحيوان أو حديقة الحيوان، وبذلك نكون قد تخلصنا منها دون قتلها أو إيذائها.
ثالثا: إذا اتبعت الطريقتان السابقتان على الوجه السليم فغالب الظن أن عددها سوف يتضاءل كثيرا جدا، ولا يبقى منها إلا العدد القليل الذي سوف لا يشكل أي خطورة على الإنسان.
وإذا وجد أن الباقي رغم قلته يأتي من ورائه ضرر مؤكد ومحقق يصيب الإنسان كأمراض وخلافه، والذي يقدر ذلك هم أهل الثقة من الإخصائيين وعليهم تقع تبعة المساءلة أمام الله عما يقررونه في هذا الشأن.
-فإن دار الإفتاء وبناء على ما سبق ترى أنه لا مانع شرعا إذا وصلت النتيجة إلى ذلك عند الضرورة القصوى، والضرورة تقدر بقدرها، كما أن الضرورات تبيح المحظورات التخلص من القطط الباقية قياسا على ما ورد في آية الحرابة، وعلى الخمس الفواسق ومنها الكلب العقور الذي ورد في الحديث السابق، ويلحق بها ما شابهه في الضرر شريطة أن يكون ذلك بوسيلة لا تؤذي الشعور، وإذا أمعن الإنسان عقله فسوف لا يحرم من الوسيلة التي تؤدي به إلى الغرض المطلوب.