يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

من سنن الله عز وجل الماضية والجارية في عباده، تدافع الحق والباطل، فيعلو هذا تارة، ويعلو هذا تارة، وتكون الغلبة والنصر للحق وأهله، كما قال سبحانه وتعالى: ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ )الأنبياء18، وقال الله تعالى: ( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي )المجادلة21، ووعده سبحانه وتعالى لعباده الصالحين المتقين بقوله تعالى: ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )الأعراف128، العاقبة ونهاية الأمر تكون لأهل التقوى، ولأهل العدل والاستقامة على دين الله سبحانه وتعالى، ولو ظهر الباطل حيناً أو علا، فإن عاقبته ومصيره إلى الزوال.

حري بنا عندما تمر بلادنا، وما حولنا من بلاد الإسلام والمسلمين بظروف، أن نستذكر ما ورد في كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله في فضل الرباط في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله، حماية لدين الإسلام، ودار الإسلام، والمسلمين، وأرواح المؤمنين وأموالهم وأعراضهم.

ما فضل الجهاد في سبيل الله؟

الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، عبادة عظيمة، إذا أخلص فيها العبد فاز بأعظم لذات الدنيا والآخرة، قال : “إنَّ في الجنَّةِ مِائةَ دَرَجةٍ أعَدَّها اللهُ للمُجاهِدينَ في سبيلِ اللهِ، ما بَيْنَ الدَّرَجتَيْنِ كما بَيْنَ السَّماءِ والأرضِ”البخاري، سبحان الله، درجات العلى في الفردوس الأعلى، التي أعدها الله تبارك وتعالى للمجاهدين في سبيله بأموالهم وأنفسهم.

وقد قال المولى سبحانه وتعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ )الصف10-11، انتبه أيها المسلم، لا جهاد بغير إيمان، ولا يُقبل عمل صالح بغير إسلام، وأعظم التجارة هي التجارة مع الله تبارك وتعالى.

ما فضل الرباط في سبيل الله؟

المرابط في سبيل الله هو الذي يلزم الثغر للحراسة، والنظر، والاحتراس عن كيد العدو ودفعه وإبلاغ الجيش بذلك، قال : “رِباطُ يَوْمٍ في سَبيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما عَلَيها”البخاري،مسلم، انظر إلى هذا الثواب، وهذا الأجر الجزيل من عند الله عز وجل الوهاب، رباط يوم في سبيل الله، يحرس في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها.

وفي رواية الإمام مسلم: “رِباطُ يَوْمٍ في سَبيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فيها، وإنْ مَاتَ أُجْرِيَ عليه عَمَلُهُ الذي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عليه رِزْقُهُ، وأُمِنَ مِن الفَتَّانِ”مسلم.

ما الذي يناله المرابط إذا مات في رباطه؟

العبد المرابط في سبيل الله إذا مات وهو في رباطه وفي حراسته، لا ينقطع عمله، إن كان صائماً يُكتب له الصيام إلى يوم القيامة، وإن كان في صلاة تُكتب له الصلاة إلى يوم القيامة، وإن كان يذكر الله، أو يسبح، أو يقرأ القرآن، لا ينقطع هذا العمل، في حين أن المسلم العادي قال عنه النبي : “إذا مَاتَ الإنْسانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إلَّا مِن ثَلاثَةٍ: إلَّا مِن صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أوْ وَلَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ”مسلم، فالمسلم إذا مات انقطعت صلاته، وانقطع صيامه، وانقطعت قراءته للقرآن وذكره لله، لكن المرابط يُكتب له عمله الذي يعمله إلى يوم يلقى الله عز وجل.

وأُجري عليه رزقه، قال أهل العلم إن الله عز وجل يجري عليه رزقه في قبره، رزق أهل الجنة، قال تعالى: ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )آل عمران169، يُرزق من ثمار الجنة ومن نعيمها، وهو في البرزخ قبل أن يدخل الجنة، يُؤتى له برزقه منها.

وأَمِنَ الفتان، يعني أمن فتنة القبر، أمن سؤال الملكين عن دينه وعن ربه وعن نبيه، يأمن من هذه الفتنة التي يتعرض لها كل مسلم، كل مسلم يُسأل إذا مات: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ هذه الفتنة عظيمة، والدليل على عظمتها أن المصلي في كل صلاة يستعيذ بالله عز وجل من فتنة القبر ومن عذابه، كما جاء في الصحيحين عن النبي : “إذا تَشَهَّدَ أحَدُكُم فليَستَعِذْ باللهِ مِن أربَعٍ، يقولُ: اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ، ومِن عَذابِ القَبرِ، ومِن فِتنةِ المَحيا والمَماتِ، ومِن شَرِّ فِتنةِ المَسيحِ الدَّجَّالِ”وما ذلك إلا لأنها فتنة عظيمة.

من يدخل في مسمى المرابطين؟

يدخل في مسمى المرابطين كل من يسهر على مصالح الإسلام والمسلمين، من ولاة الأمور والقائمين على حماية البلاد، والعلماء، بمكافحة أهل الشر والفساد وملاحقتهم، سواء من يقصد إفساد الأمن والأمان، أو من يقصد إفساد أخلاق المسلمين، من تجار المخدرات، وتجار الأعراض والبغي والدعارة، ممن ينشر الشر في بلاد الإسلام والمسلمين.

ويدخل في ذلك الأئمة من الدعاة والمصلحين والعلماء الرادين على أهل الإلحاد والكفر، ببيان ضلالهم وانحرافهم، هذا جهاد في سبيل الله، جهاد باللسان، ورباط يُكتب لصاحبه عند الله عز وجل.

وقد كثرت موجات الإلحاد، ودعاوى الشر، وأفكار الضلال:

هذا يقول: الدين لا يصلح لهذا الزمان،دين قديم، نحن في زمن حضارة وتحضر.

وهذا يقول: لا دليل على تحريم الربا.

وهذه تقول: لا يوجد دليل على الحجاب. وهكذا تنتشر مثل هذه الأفكار الضالة في أوساط الإسلام والمسلمين.

-الراد عليهم مجاهد في سبيل الله، مجاهد بلسانه أو مجاهد بقلمه إذا كتب ذلك ونشره ،حرب على الإسلام والمسلمين وعقائدهم وديارهم، لأن أعداء الله من المشركين الكفرة من أي شكل كان، يغيظهم أهل الإسلام، تغيظهم جموع المصلين، تغيظهم التزامهم بالسنة النبوية الشريفة، ودفاعهم عنها وتمسكهم بها، الراد عليهم مجاهد في سبيل الله، مرابط، الذي لا يسكت عنهم له أجر عظيم عند ربه ومولاه.

من هما العينان اللتان لا تمسهما النار؟

من الثواب لمن بات يحرس في سبيل الله ما قاله نبينا فيما رواه الترمذي: “عَيْنانِ لا تَمَسُّهُما النّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وعَيْنٌ باتَتْ تَحْرُسُ في سَبيلِ اللهِ”، بشّر النبي أهل هاتين العبادتين العظيمتين بهذه البشرى بأنهما لا تمسهما النار.

إن العبد يُجازى بجنس عمله، العبد يجازيه الله عز وجل بجنس ما عمل، قال تعالى: ( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا )الإسراء7، كما قال : “مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنيا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيامَةِ، ومَن يَسَّرَ على مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنيا والآخِرَةِ، ومَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنيا والآخِرَةِ، واللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ”مسلم.

الجنس من جزاء العمل، فمن عُرف عنهم، التوحيد واتباع السنة، وإغاثة الملهوفين، وبناء المساجد، وإنشاء المدارس في أصقاع الأرض كلها، والقيام بأعمال البر والخير والصلاح والتقوى، فنسأل الله عز وجل أن يدفع عنهم شر القضاء بهذه الأعمال الصالحة، وأن يوفقنا جميعاً للمزيد من العمل الصالح الذي يحبه الله ويرضاه.