يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
الدعوة إلى الله أعظم الأعمال، وأجلّ القربات، وأفضل الدرجات في الدنيا والآخرة، ينالها العبد بقيامه بهذه الوظيفة التي هي أشرف الوظائف، وأحسن الأعمال عند الله عز وجل.
يقول العلماء: كفاك شرفاً بهذه الوظيفة أو بهذا العمل أن الله سبحانه وتعالى نسبه لنفسه، فقال تعالى: ( وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ )يونس/25. وهذا تنويه بفضل هذا العمل، وهذه القربة التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل، أن الله عز وجل نسب الدعوة إلى نفسه المقدسة جل جلاله وتقدست أسمائه سبحانه وتعالى.
وكذلك جاء في قوله عز وجل: ( أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ )إبراهيم/10، فالله سبحانه وتعالى يدعو الناس إلى المغفرة، الله عز وجل يدعو الناس إلى الجنة، وهو غني سبحانه وتعالى عنهم، لكن هذا من كمال رحمته سبحانه.
تصور أيها المسلم أن الله عز وجل الغني الحميد يدعو عباده إلى المغفرة، ويدعوهم إلى الرحمة، ويدعوهم إلى الجنة، وهذا من كماله جل جلاله وتَـمام رحمته ورأفته وفضله على عباده أجمعين.
وظيفة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم؟
الدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم قال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ )الأنبياء/25. فالرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم كانوا قائمين بهذه الوظيفة، قائمين بهذا العمل الشريف، وربنا سبحانه وتعالى قصّ علينا في كتابه قصص النبيين والمرسلين، من لدن نوح عليه الصلاة والسلام إلى عيسى ابن مريم عليهم الصلاة والسلام جميعا.
وماذا قال كل رسول لقومه؟ وإلى ماذا دعاهم؟ وما هي أحداث الدعوة التي مرّ بها هذا النبي؟ كله مسطور في كتاب الله سبحانه وتعالى.
رسل الله جميعاً تولّوا هذه الوظيفة وهي الدعوة إلى الله تعالى.
جاء في حديث ابن مسعود عند الترمذي وغيره أن الرسول ﷺ رأى رؤيا وقصها على الصحابة، وكان مفاد هذه الرؤيا تشبيه الملائكة لرسول الله ﷺ ولدعوته، أن النبي محمد ﷺ مثله كمثل رجل أقام وليمة كبيرة -عشاء أو غداء كبير- أقام وليمة في داره، ثم أرسل الرسل، أرسل وكلاءه، من يبلغ الناس أن هناك وليمة عظيمة في دار فلان، فمن جاء إلى هذه الدار أصاب من هذه الوليمة، من استجاب لهذه الدعوة واستجاب لهذا الرسول، جاء ودخل الدار وأصاب من هذا الطعام الطيب أصابته النعمة. ومن لم يجب الدعوة حُرِم، هذا مثل النبي ﷺ مع أمته.
الرسول عليه الصلاة والسلام دعا الناس إلى الإسلام، ومبادئ الإسلام، وأحكام الشرع الحنيف، ودعاهم إلى الآداب الشرعية، والأخلاق الإسلامية، فمن استجاب لذلك فقد أصاب خيراً كثيراً. ومن أبى حُرِم، من أبى الدعوة، من لم يستجب للدعوة حُرِم، حُرِم من هذا الفضل ومن هذا الخير الذي دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام أمته، قال عز وجل: ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ )النساء/165.
ولفضل الرسل على الناس، فإن الله سبحانه وتعالى كرّر الثناء عليهم في القرآن، ربنا سبحانه وتعالى كرّر الثناء والمدح للرسل في كتابه الكريم قال تعالى: ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ )الصافات/180-181.
ربنا سبحانه وتعالى يسلم عليهم، ونحن كلما ذكرنا الرسول عليه الصلاة والسلام، وكلما ذكرنا أي رسول، سلّمنا عليه وصلّينا عليه، لأن الله عز وجل سلّم عليهم وشرفهم بهذا السلام في كتابه الكريم.
وظيفة أتباع الأنبياء؟
القيام بالدعوة هي وظيفة أتباع الأنبياء، كل من يدعي أنه من أتباع محمد ﷺ يجب أن يقوم بواجب الدعوة بقدر استطاعته، نحن لا نكلف الناس إلا ما تطيق، ولهذا الرسول عليه الصلاة والسلام. ماذا قال في الحديث؟ “بلِّغوا عنِّي ولو آيةً”البخاري.
-بلغ عن الرسول عليه الصلاة والسلام ولو آية، فمن كان في مجلس ورأى الناس بحاجة إلى شيء من التذكير، شيء من العلم، فبلغهم ولو آية من كتاب الله عز وجل، فيكون له بذلك أجر اتباع النبي ﷺ. اتّباعه في دعوته، قال ربنا سبحانه وتعالى: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ)يوسف/108، ويجب أن تكون الدعوة بعلم، وأن تكون على بصيرة، ثم قال تعالى: (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)يوسف/108، فكل أتباع الرسول ﷺ يقومون بهذا الواجب، يأتسون، يقتدون بـرسول الله ﷺ، يقومون بهذا العمل، الذي هو عمل إمامهم وعمل نبيهم من قبلهم، فهم به مقتدون، مأتسون، متبعون له عليه الصلاة والسلام.
فهكذا حال الدعاة إلى الله عز وجل في كل زمان ومكان، نستطيع أن نقول عنهم أنهم ورثة الأنبياء.
لما مات النبي ﷺ، هؤلاء ورثوا هذه الوظيفة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: “الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا ، ورَّثُوا العِلمَ فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ”أبو داود،الترمذي،أحمد.
فالمسلم الداعية-قليلاً كان أو كثيراً-هو على هذا الميراث النبوي الجليل الذي تركه الرسول ﷺ.
الدعوة إلى الله أحسن الأقوال والأعمال؟
الدعوة إلى الله عز وجل هي أحسن الأقوال. الذي يدعو إلى الله عز وجل قوله أحسن القول، كما قال الله عز وجل في كتابه: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )فصلت/33. القول الحسن الذي يحبه الله عز وجل هو الدعوة إلى الله.
هذا لا يعني أن الدعوة تكون بالعمل كما تكون بالقول. أحياناً الدعوة بالعمل تؤثر في الناس أكثر من الأقوال.
-موقف يراه الناس من الداعية يجعلهم يحبون الإسلام، يجعلهم يقتدون بهذا الشخص، حتى بين غير المسلمين.
أضرب مثال: بعض الطلبة في الخارج يحترمون كبار السن، إذا دخل إلى الباص، أو رآه في السوق يساعده، يقوم من مكانه ويجلس هو. كم تؤثر هذه المواقف في نفوس الناس؟ هي مواقف عملية … لم يتكلم! ما ألقى خطبة ولا ألقى درسا! مجرد عمل. يسلم، كثير من الناس بهذه الأعمال الحسنة، وبهذه الأخلاق التي هي دعوة إلى الله عز وجل يمتثلها المسلم بعمله إذا لم يكن هناك فرصة للقول.
فالدعوة إلى الله عز وجل قد تكون بالعمل كما تكون بالقول، وهذا من أحسن ما يكون من الأقوال والأعمال كما قال الله عز وجل: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ )فصلت/33، أي لا أحد أحسن قولا ولا أحسن عملاً من الداعية إلى الله سبحانه وتعالى.
عظم أجر الداعية إلى الله؟
من فضل الدعوة أن أجر الداعية عند الله عظيم. وأن ثواب الدعاة إلى الله عز وجل-جعلنا الله وإياكم منهم-أجرهم عظيم عند الله سبحانه وتعالى.
-يقول الرسول ﷺ في الحديث: “مَن دَلَّ على خَيرٍ فله مِثلُ أجرِ فاعِلِه”مسلم.
إذا علمت إنسان صلاة الضحى لك أجرها ما دام يصلي وهو حي.
-العلماء يقولون: كن أنت أيها الأب أول من يعلم أبناءك سورة الفاتحة، لأن سورة الفاتحة سيقرأ بها طول حياته. فكم يكون لك أجر في هذا؟
فالداعية إلى الله عز وجل له أجر فاعل الحسنة التي دله عليها.
-ويقول الرسول ﷺ في الحديث المشهور لمعاذ رضي الله عنه: “لَأن يَهديَ اللهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا خَيرٌ لكَ مِن أن يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ”البخاري، أو “خير لك من الدنيا وما فيها”. فأجر الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى عظيم.
أنت اليوم تبلغ دين الله بمقطع لشيخ، أو بموعظة نافعة، أو بنشر حديث شريف، أو آية وتفسيرها… والله سبحانه وتعالى اليوم سهّل لنا طريق الدعوة ونشر الكلام الطيب ونشر المواعظ عبر وسائل التواصل الكثيرة التي أتاحها الله عز وجل.
–يقول أهل العلم: لو نزل عذاب على قوم، فأول من ينجو هم الدعاة إلى الله. إذا نزل عذاب على قوم، أول من ينجو من العذاب هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، كما أن في الدعوة إلى الله عز وجل نجاة من غضب الله ولعنته: قال تعالى:( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )المائدة/78-79.
ويقول الله عز وجل: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ )الأعراف/165.
دعاء النبي ﷺ للدعاة والمبلغين؟
دعى النبي ﷺ لمن يبلغ كلامه ويبلغ حديثه للخلق، يقول ﷺ في حديث السنن: “نضَّرَ اللَّهُ امرأً سَمعَ منَّا حَديثًا فبلَّغَهُ، فرُبَّ مُبلَّغٍ أَحفَظُ مِن سامِعٍ”ابن ماجه،الترمذي،أحمد.
الرسول عليه الصلاة والسلام دعا لك يا من تبلغ حديثه، يا من تبلغ سنته، يا من تبلغ دينه، دعا لك النبي ﷺ بنضارة الوجه يوم القيامة، كما قال الله عز وجل عن أهل الجنة قال تعالى: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ )القيامة/22-23.
ناضرة: من النَّضْرة، التي هي البهاء والحسن والجمال الذي يعطاه أهل الجنة في الدار الآخرة.