يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

اتقوا الله أيها المسلمون، واشكروه على نعمه الكثيرة، ومن تلك النعم الجليلة ما امتن الله تعالى به على عباده في قوله: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )الروم/21.

فمن نعم الله -عز وجل- العظيمة على عباده، ومن آياته الجليلة في خلقه: نعمة النكاح والزواج.

فالله -تبارك وتعالى- قد خلق لهذا الإنسان زوجًا من جنسه، من شكله، من نوعه، لا من جنس آخر، وجعل الله -سبحانه وتعالى- بين الزوجين من المودّة والرحمة ما لم يكن بين خلق آخر. فجذب الله تعالى الرجل للمرأة، والمرأة للرجل، وجعل بينهما المودة والرحمة والحب والطمأنينة والسكينة والراحة.

هذا من فضل الله -سبحانه وتعالى-، ولهذا أمر الله -سبحانه وتعالى- بالنكاح فقال: ( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً )النساء/3.

حكم الزواج وفضله؟

-الرسول -- يقول: “يا مَعشَرَ الشَّبابِ، مَنِ استَطاعَ منكمُ الباءةَ فليَتَزَوَّجْ، ومَن لم يَستَطِعْ فعليه بالصَّومِ؛ فإنَّه له وِجاءٌ”البخاري،مسلم، أمرٌ منه --، هذا أمر شرعي.
-وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إنَّ رهطًا من الصحابَةِ ذهبوا إلى بيوتِ النَّبِيِّ يسألونَ أزواجَهُ عن عبادتِهِ فلمَّا أُخبِرُوا بها كأنَّهُم تقالُّوها أي : اعتبروها قليلةً ثُمَّ قالوا : أينَ نحنُ مِن رسولِ اللَّهِ و قد غَفرَ اللَّهُ له ما تقدَّمَ من ذنبِهِ و ما تأخَّرَ ؟ فقال أحدُهُم : أما أنا فأصومُ الدَّهرَ فلا أفطرُ و قال الثَّاني : و أنا أقومُ اللَّيلِ فلا أنامُ و قال الثَّالثُ : و أنا أعتَزِلُ النِّساءَ فلمَّا بلغ ذلك النَّبيَّ بيَّنَ لهم خطأَهم و عِوَجَ طريقِهِم و قال لهم : إنَّما أنا أعلمُكُم باللَّهِ و أخشاكم له و لكنِّي أقومُ و أنامُ وأصومُ و أفطِرُ و أتزوَّجُ النِّساءَ فمَن رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ منِّي”البخاري،مسلم،النسائي.

ولذلك كان القول الصحيح عند أهل العلم أن الزواج والنكاح واجب على القادر عليه.

من ثمرات النكاح والزواج؟

قال -عليه الصلاة والسلام-: “يا معشر الشبًاب من استطاع منكم البًاءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج”البخاري،مسلم.
1-من ثمرات النكاح الجليلة العظيمة على المرء في نفسه وفي دينه: أنه أغض لبصره؛ يجعله قادرًا على أن يغض بصره عن النساء الأجنبيات فلا ينظر إليهن. فالنظر إلى ما حرّم الله -عز وجل- معصية، بل سمّاه النبي -- زنا العينين: – “إنَّ اللهَ كَتَبَ على ابنِ آدَمَ حَظَّه مِنَ الزِّنا، أدرَكَ ذلك لا مَحالةَ؛ فزِنا العَينِ النَّظَرُ”البخاري،مسلم.

فيحرم على المسلم أن يمدّ عينه إلى امرأة أجنبية، أو أن يتمتع بالنظر إليها، فهذا مما حرّمه الله -عز وجل-، وذلك لأن النظر يجرّ إلى الزنا، فهو وسيلة إليه، ولذلك حرّمه الله -سبحانه وتعالى-، فيبدأ هذا الطريق الخبيث بالنظر إلى ما حرّم الله.

-عن جرير -رضي الله عنه- قال سألتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عن نَظرةِ الفجأةِ فقالَ “اصرِفْ بصرَكَ”مسلم،أبو داود،الترمذي.
-وقال لعليٍّ -رضي الله عنه-: “يا عليُّ ! لا تُتبعِ النَّظرةَ النَّظرَةَ، فإنَّ لَكَ الأولى ، ولَيسَتْ لَكَ الآخرَةُ”أبو داود،الترمذي،أحمد. أو (الثانية ليست لك). النظرة الأولى هي التي تكون فجاءة لا يؤاخذك الله بها لأنها من غير قصد، أما الثانية فيؤاخذك الله -عز وجل- بها لأنها عن عمد وقصد.

2 –والزواج (أحصن للفرج) المتزوج لا يبتغي الحرام، عنده ما أحلّ الله، فيستغني بالحلال عن الحرام، ويمتثل أمر الله -عز وجل-، ويتبع سنة المرسلين -عليهم الصلاة والسلام أجمعين-: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً )الرعد/38.

الرهبانية ليست من الإسلام، بل الرهبانية ليست من دين الله أبدًا، ما كتب الله الرهبانية على قوم أبدًا، خلاف الخِلقة، خلاف الفطرة قال تعالى: ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ )الحديد/27.

ولهذا تنتشر بين حين وآخر حوادث الفحش والفجور الذي يحصل عند الرهبان من النصارى في الكنائس والأديرة وغيرها، عافانا الله وإياكم؛ لأنهم حرّموا ما أحلّ الله، فوقعوا في ما حرّم الله.

3-وفي الزواج وفي النكاح تكثير لنسل الأمة، قال -عليه الصلاة والسلام-: “تزوَّجوا الوَدودَ الولودَ فإنِّي مُكاثرٌ بِكُمُ الأُممَ”أبو داود،النسائي. فالرسول -عليه الصلاة والسلام- يفرح يوم القيامة بكثرة أمته، يباهي بأمته الأمم، يفرح -عليه الصلاة والسلام- إذا كثّر المسلم نسله، كثّر مَن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وفي ذلك امتثال لأمره -عليه الصلاة والسلام- وهو أعلم بالله، وهو أتقى الخلق لله -سبحانه وتعالى-.

لابد أن نعلم أيها المسلمون أن الزواج له شروط في دخوله، وله شروط في الخروج منه.

-اعلم أن الزواج من الدين، بل قال -عليه الصلاة والسلام-: (الزواج أو النكاح نصف الدين، فمَن تزوج فقد استكمل نصف دينه فليتقِ الله في النصف الآخر). سبحان الله، نعم، دين المتزوج أكمل من دين الأعزب، والمتزوج أقبل على الطاعات، أكثر اهتمامًا بالطاعات وإقبالًا على الله، لأن قلبه غير متشوّش بهذه الشهوة التي قد تصرفه عن الطاعة أحيانًا، وتشوش عليه وتنغص عليه حياته.

مما ابتُليت به الأمة اليوم: سفر الأزواج الطويل عن بيوتهم، وعن نسائهم، وعن أولادهم، من أجل المال ومن أجل الدنيا، هذا أمر بلاء ابتُليت به الأمم اليوم، وهو مدعاة للفحش والوقوع في الرذيلة من الطرفين، عافانا الله وإياكم.

الرسول -- كان لا يزيد في سفره عن الشهر أو الأربعين يومًا أو أقل أو أكثر، لأن هذا خلاف مصلحة الأزواج، خلاف ما جاءت به الشرائع السماوية.

شروط صحة النكاح ودخول الزواج؟

الزواج له شروط في الدخول فيه:
الشرط الأول- رضا الزوجين:
أن يرضى الزوج بزوجته، وأن ترضى المرأة بزوجها.
كثير من أولياء الأمور لا يهتمون برضا موليّاتهم وبناتهم وأخواتهم، فيزوجونهن رغماً عنهن، وهذا خلاف شرع الله، خلاف ما أمر الله -عز وجل- به.
لا يجوز للمسلم أن يكره ابنته على رجل لا تحبه، لا تريده، لا ترغب به، كما أنه لا يلزمه أن يطيعها إذا اختارت زوجًا غير كفء لها، إذا اختارت زوجًا لا يصلح لها، زوجًا سيئ الخلق، زوجًا يرتكب المحرمات ويترك الصلوات، إذا اختارته لا يزوجها إياه ويمنعها من ذلك، رعاية لمصلحتها ولدينها ولأولادها في المستقبل. فالأب وغيره من الأولياء -وهم العصبات لا يزوّج المرأة إلا أبوها أو عصبتها- فإذا اختار الأب زوجًا لابنته ورفضته وأبت، لا يجوز له أن يجبرها عليه.

قال -عليه الصلاة والسلام- في حديث أبي هريرة المتفق عليه: “لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتَّى تُستَأمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتَّى تُستَأذَنَ. قالوا: يا رَسولَ اللهِ، وكيفَ إذنُها؟ قال: أن تَسكُتَ”البخاري،مسلم. وفي رواية”و إذْنُها الصموتُ”.، لأن البكر يغلب عليها الحياء، فإذا سكتت وقيل لها فلان تقدّم لخطبتك ورضيت به وسكتت فهو رضاها. وأما الأيم -فهي مَن سبق لها الزواج- فإنها في العادة تفصح عن رضاها وتتكلم وتقول لا أريد، أو أريد.

لكن الإجبار محرّم، يحرم.جاءَتْ فتاةٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالت: يا رسولَ اللهِ، “إنَّ أبي زوَّجَني ابنَ أخيهِ يرفَعُ بي خَسيسَتَه، فجعَلَ الأمرَ إليها، قالت: فإنِّي قد أجَزْتُ ما صنَعَ أبي، ولكنْ أردْتُ أنْ تَعلَمَ النِّساءُ أنْ ليس للآباءِ منَ الأمرِ شيءٌ”النسائي،أحمد. هذا قضاء رسول الله -- ردّ نكاحها وجعل أمرها بيدها وخيّرها، فلا يجوز إجبار البنت على مَن لا تريد.

الشرط الثاني- اشتراط الولي في النكاح:

فمن شروط النكاح وصحته: وجود الولي في العقد، لابد للمرأة من وليٍّ يعقد لها النكاح، هذا ما جاءت به الآيات وأتت به الأحاديث النبوية الصحيحة. فربنا -سبحانه وتعالى- دائمًا يوجّه الخطاب إلى الأولياء في التزويج أو في غيره، وإذا منع الرجل موليّته من الزواج بغير عذر فهو ظالم، وتنتقل الولاية لغيره من أقرب الأولياء والعصبات.

-قال --: “لا نكاحَ إلا بوليّ وشاهدَيْ عدلٍ”، حديث صحيح جاء في مسند الإمام أحمد والسنن وصححه أهل العلم: “لا نكاحَ إلا بوليّ وشاهدَيْ عدلٍ” أو “وشاهدين.

-وقال -عليه الصلاة والسلام-: “أيُّما امرأةٍ نَكَحَت بغيرِ إذنِ مَواليها ، فنِكاحُها باطلٌ ، ثلاثَ مرَّاتٍ فإن دخلَ بِها فالمَهْرُ لَها بما أصابَ منها ، فإن تشاجَروا فالسُّلطانُ وليُّ مَن لا وليَّ لَهُ”أبو داود،ابن ماجة.

إن حصل خلاف، أو احتاجت المرأة إلى النكاح وليس أحد من أوليائها حاضر في البلاد، أو ليس أحد منهم راضٍ عن التزويج، بل ظالم لها متعدٍّ، فالسلطان ولي مَن لا ولي له. القاضي في المحكمة الشرعية ينظر في أمرها ويستدعي وليها، ثم بعد ذلك إذا تبين له أنه ظالم تولى تزويجها.

فلا يصح النكاح أبدًا بغير ولي. وإن قال مَن قال أنه هناك من الفقهاء مَن أجازه، فالأقوال الضعيفة لا يُؤبه لها ولا يُلتفت إليها؛ كل قول يخالف قول الله أو قول رسوله -- الصحيح فهو مردود على قائله.

-بل صحّ عنه -- أنه قال.. اسمع اللفظ الصريح عنه --: “لا تزوِّجُ المرأةُ المرأةَ ولا تزوِّجُ المرأةُ نفسَها فإنَّ الزَّانيةَ هيَ الَّتي تزوِّجُ نفسَها”ابن ماجة، عافانا الله وإياكم.

المرأة لا تكون وليًّا، إذا كانت يتيمة لا تكون أمها وليّها، بل لابد أن يكون أولياؤها هم العصبة: آباؤها وإن علوا (الأب والجد وأبوه)، وأبناؤها وإن نزلوا، ثم بعد ذلك إخوانها الأشقاء. أما الأقارب الذين ليسوا بأولياء، ليسوا من العصبات، فلا يكونون أولياء في النكاح كالخال أو الأخ من الأم، هؤلاء ليسوا من العصبة فلا يكون وليًّا إلا بتوكيل شرعي صحيح.

-المرأة لا تزوج نفسها ولو كانت أيمًا، ولو كانت بنت سبعين، لا تزوج المرأة نفسها أبدًا، حتى يتولى وليها زواجها، هذا ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله --.