يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
إن المسلمين يستعدون في هذا الوقت من كل عام لأداء فريضة عظيمة من فرائض الإسلام، وهي فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، وهذه الفريضة مؤتمر إسلامي عظيم، يجمع المسلمين من أقاصي الأرض ودانيها، على اختلاف ألسنتهم، وألوانهم، وأجناسهم، وبلدانهم، ليشهدوا منافع لهم.
ما هي منزلة الحج في الإسلام؟
الحج فريضة كتبها الله تبارك وتعالى على عباده، قال تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) آل عمران97.
فالعبد هو المحتاج إلى العبادة، وإلى الطاعة، وإلى المغفرة والرحمة، والله هو الغني الحميد.
ولا يزال المسلم يتنقل من طاعة إلى طاعة، ومن عبادة إلى عبادة، فهو للتو قد خرج من صيام شهر رمضان، الذي هو أحد أركان الإسلام، ثم بعدها يستعد لحج بيت الله الحرام.
قال تعالى: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) الحجر99، أي حتى يأتيك الموت، فليس للعبادة وقت ينتهي به، هذه الطاعة وهذه العبادة، بل العبد مأمور بالطاعة حتى يفارق الدنيا.
ما هي المعاني العظيمة في فريضة الحج؟
الحج فيه منافع عظيمة، وتأكيد لمعانٍ كريمة دعا إليها المولى سبحانه وتعالى.
أولاً- الحج عبادة بدنية ومالية:
هذه الفريضة المتميزة عن بقية الفرائض، فالصلاة والصيام عبادة بدنية، والزكاة عبادة مالية، أما الحج فهو عبادة بدنية ومالية، يحتاج فيها الإنسان إلى بذل المال على الزاد والراحلة، والاستعداد، والسفر، وما أشبه ذلك.
ثانياً- الحج إعلان للتوحيد:
يبدأ المسلم هذه العبادة العظيمة بإعلان التوحيد لله سبحانه وتعالى، فيقول: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك”.
ومعنى “لبيك” أي استجبت لك استجابة بعد استجابة، فالمسلم دائمًا يستجيب لله عز وجل متى دعاه، ولا يمكن أن يكون مسلمًا حقًا وهو يسمع نداء الله يناديه ثم يعرض عنه، بل لا بد أن يقول: لبيك يا رب، لأن الله عز وجل له حق عظيم على عباده، فإذا دعاهم وجب عليهم أن يقولوا لبيك يا رب في كل وقت، وفي كل زمان، وفي كل مكان يستجيب العبد لربه عز وجل.
ثالثاً- الحج اجتماع للمسلمين:
الحج يجتمع فيه المسلمون من كل حدب وصوب، يتعارفون ويتآلفون، ويعرف بعضهم حاجة بعض، يدعون فيه إلى الخير، فهو مؤتمر عظيم يشعر فيه المسلم بالعزة، لكثرة العدد والقائمين والطائفين والراكعين والساجدين، وغير ذلك من المنافع التي ذكرها الله عز وجل.
رابعاً- الحج استجابة لنداء إبراهيم عليه الصلاة والسلام:
الحج استجابة لنداء أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لما أمره ربه أن يقوم فينادي ويؤذن في الناس بالحج، قال تعالى:
( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) الحج27-28.
جاء أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أمر بذلك قال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ قال: سنبلغ صوتك، فقام إبراهيم وأذن بالحج، فأجابه كل من كتب الله له الحج بقوله: لبيك، ولو كان في علم الله عز وجل من الذر، كل من كتب الله له الحج قال لبيك يا رب، لما سمع دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
ما هو فضل الحج وثوابه؟
الحج فضله عظيم، وأجره جزيل، يقول النبي ﷺ: “العُمرةُ إلى العُمرةِ كفَّارةُ ما بَيْنَهما والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّةُ” متفق عليه.
فالعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما من الخطايا والذنوب، والحج المبرور الذي لا يخالطه إثم ولا معصية، وليس من مال حرام، جزاؤه الجنة.
والحج المبرور لا بد أن يكون من مال حلال، لا من ربا، ولا من مال منهوب أو مغصوب.
إذا حججت بمال أصله سحت فما حججت ولكن حجت العير
ما يقبل الله إلا كل طيبة ما كل من حج بيت الله مبرور
الذي يحج من مال سحت ما حج، الذي حجت هي الإبل والعير التي تحمله، أما هو ما كتب الله له الحج والعياذ بالله،فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: “من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجعَ كيومِ ولدتهُ أمُّه” متفق عليه.
أي يرجع من ذنوبه صفحة بيضاء، خاليًا من الذنب، كأنه ولد اليوم، كأنه خرج إلى الدنيا اليوم، هذا من فضل الحج، وهذا من فضل الله وفضله عظيم.
صح عن النبي ﷺ أنه قال “تابِعوا بينَ الحجِّ والعمرة، فإنَّ متابعةً بينهما تنفي الفقرَ والذنوبَ كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديدِ” رواه أحمد.
ما الذي ينبغي أن يفعله المسلم إذا أراد الحج؟
ينبغي لمن أراد الحج أن يستعد لهذه العبادة العظيمة بعدة أمور:
أولاً- أن يجدد التوبة مع الله سبحانه وتعالى:
فيتوب من كل ذنب، ويكثر من الاستغفار، ويقبل على الله عز وجل بقلب صادق.
ثانياً- أن يرد المظالم إلى أهلها:
فمن كان عنده حق لأحد، أو ظلم أحدًا، فعليه أن يرد الحقوق إلى أصحابها قبل سفره، حتى يلقى الله عز وجل وقد برئت ذمته.
ثالثاً- أن يسدد الديون الحالة:
فلا يترك دينًا حالًا إلا سدده، أما الديون المؤجلة والأقساط، فلا تمنع من الحج إذا كان قادرًا على أدائها في وقتها.
رابعاً- أن يترك لأهله النفقة التي يحتاجون إليها:
فلا يخرج إلى الحج ويضيع من يعول، بل يترك لهم ما يكفيهم من النفقة والحاجة.
هل يجوز تأخير الحج مع القدرة؟
من الناس من يكون له مال وفير، وصحته جيدة، والطريق آمن، والسبل متوفرة، ثم يؤجل الحج ويؤخره بلا عذر، وهذا يخشى عليه أن يموت، وهو في ذمته هذه الفريضة التي ما قضاها، والإنسان لا يدري متى يفاجئه الموت.
الحج فريضة واجبة على الفور متى استطاعها الإنسان، فإذا وجد المال، والقوة، وتوفرت الوسيلة التي تنقله وتسهل له، وجب عليه أن يبادر إلى الحج.
قال النبي ﷺ: “تَعَجَّلُوا إلى الحَجِّ ، فإنَّ أحَدَكُمْ لا يَدرِي ما يَعرِضُ لَهُ” رواه أحمد.وفي رواية “فقد يمرض المريض وتعرض الحاجة”.
فالإنسان اليوم في صحة وعافية، لكنه لا يدري ماذا يكون في المستقبل، فقد يمرض، أو تعرض له حاجة، أو يأتيه مانع يمنعه من الحج إلى بيت الله الحرام.
والواجب المبادرة إلى أداء هذه الفريضة الواجبة في العمر مرة واحدة، وهذا من فضل الله عز وجل وتيسيره على عباده، أنها لا تجب على العبد في العمر إلا مرة واحدة، لكونها مكلفة، وتحتاج إلى السفر، ومفارقة الأهل والوطن.