الأصل أن لا توضع ضرائب ولا جمارك ولا إتاوات على المسلمين، إلا إذا دعت إليها ضرورة شرعية أو حاجة ملحَّة، كأن يعجز بيت المال أو خزينة الدولة عن تيسير وتسهيل الخدمات، وما يصلح شؤون الرعية، أو أن توضع هذه الجبايات للحد من الإسراف والتجاوز والتعدي على المال والحق العام ونحو ذلك، وفي كل حال يتعين أن تكون الجباية -إذا وضعت- غير ظالمة أو مكلفة أو مرهقة لأوساط الناس وضعفائهم.

هل يجوز التحايل للتهرب من الضرائب؟

لا يمكن الفتوى بالتلاعب في تسجيل الأجور أو عدد المرضى حتى لو كانت الضرائب في أصلها حراما- للأسباب التالية :-
أن هذه الضرائب الموضوعة يتحملها – في الأخير – الزبائن( المرضى) ، فالطبيب يحدد ثمن الكشف بمراعاة الضرائب، والفتوى بالتلاعب في الأجور أو عدد المرضى سيئول إلى أحد أمرين :-
الأمر الأول :- أن ينافسوا السوق، فيقدموا كشوفا بأقل مما يبيعها أقرانهم ممن يتحملون الضرائب.

الأمر الثاني :- أن يقدموا الكشوف بثمن المثل ، فيكون الرابح بما خصم من الضرائب هم ، وليس المرضى.

أما في الحالة الأولى، فنكون قد ظلمنا بقية الأطباء المماثلين إذ نكون كلفناهم من أمرهم شططا، ووضعنا عن المتحايل هذه الآصار.

وأما في الحالة الثانية، فنكون قد ظلمنا الأطباء المماثلين مرتين، إذ نكون كلفناهم من أمرهم شططا، وحرمناهم من منافسة المتحايل على الضرائب ، فيئول هذا إلى أن يدفعوا هم الضرائب وحدهم، ويربح المتهرب من الضرائب وحده، وفي هذا ما فيه من ظلم بالغ تأباه الشريعة ، وترده نصوصها.

المظالم المشتركة؟

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :-
المظالم المشتركة ” التي تطلب من الشركاء مثل المشتركين في قرية أو مدينة إذا طلب منهم شيء يؤخذ على أموالهم أو رءوسهم : مثل الكلف السلطانية التي توضع عليهم كلهم ; إما على عدد رءوسهم أو عدد دوابهم أو عدد أشجارهم أو على قدر أموالهم كما يؤخذ منهم أكثر من الزكوات الواجبة بالشرع أو أكثر من الخراج الواجب بالشرع أو تؤخذ منهم الكلف التي أحدثت في غير الأجناس الشرعية  كما يوضع على المتبايعين للطعام والثياب والدواب والفاكهة وغير ذلك : يؤخذ منهم إذا باعوا .

ويؤخذ ذلك تارة من البائعين . وتارة من المشترين ……….. فهؤلاء المكرهون على أداء هذه الأموال عليهم لزوم العدل فيما  يطلب منهم وليس لبعضهم أن يظلم بعضا فيما يطلب منهم ; بل عليهم التزام العدل فيما يؤخذ منهم بغير حق كما عليهم التزام العدل فيما يؤخذ منهم بحق فإن هذه الكلف التي أخذت منهم بسبب نفوسهم وأموالهم هي بمنزلة غيرها بالنسبة إليهم .

وإنما يختلف حالها بالنسبة إلى الأخذ فقد يكون أخذا بحق وقد يكون أخذا بباطل .

وأما المطالبون بها فهذه كلف تؤخذ منهم بسبب نفوسهم وأموالهم فليس لبعضهم أن يظلم بعضا في ذلك ; بل العدل واجب لكل أحد على كل أحد في جميع الأحوال والظلم لا يباح شيء منه بحال حتى إن الله تعالى قد أوجب على المؤمنين أن يعدلوا على الكفار في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ }المائدة8 .

والمؤمنون كانوا يعادون الكفار بأمر الله فقال تعالى [ مبينا ] : لا يحملكم بغضكم للكفار على أن لا تعدلوا عليهم بل اعدلوا عليهم فإنه أقرب للتقوى . وحينئذ فهؤلاء المشتركون ليس لبعضهم أن يفعل ما به ظلم غيره .انتهى.