يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

الدارُ الدُّنيا دارُ اختبارٍ وابتلاءٍ، يُصيبُ فيها الإنسانَ الهمومُ والأحزانُ والأكدارُ، كما قال ربُّنا سبحانه وتعالى: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ )البلد/4؛ يكابدُ الصِّعابَ والأهوالَ، أمَّا الجنَّةُ فهي دارٌ لا همَّ فيها ولا حَزَنَ ولا تَعَبَ ولا نَصَبَ قال تعالى: ( لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ )الحجر/48، وقال عز وجل: ( لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا )الواقعة/25-26.

والهمومُ قد تكونُ بسببِ فقرٍ يُصيبُ الإنسانَ، أو دَيْنٍ لا يستطيعُ قضاءَهُ، أو نفقاتٍ لا يستطيعُ القيامَ بها، أو بسببِ مرضٍ نزلَ به، أو بسببِ عدوٍّ تسلَّطَ عليه، أو بسببِ تُهَمٍ باطلةٍ لا أصلَ لها، وكلُّ هذا سببٌ للهمِّ والغمِّ والكَدَرِ، وهذه طبيعةُ الدُّنيا:

طُبِعَتْ علَى كَدَرٍ وأَنْتَ تُرِيدُهَا … صَفْوًا مِنَ الأَقْذَار والأَكْدَارِ

وَمُتَطَلِّبُ الأَيَّامِ غَيْرَ طِبَاعِهَا … كَمُتَطَلِّبِ المَاءِ فِي جَذْوَةِ نَارِ

شرعَ اللهُ سبحانه وتعالى لنا ما ندفعُ به هذه الهمومَ وهذه الغمومَ، وربُّنا سبحانه وتعالى نَهَانا عنها كما قال لعبادِه المؤمنينَ: ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )آل عمران/139.

الأسباب الشرعية لدفع الهموم والأحزان؟

1- الإيمانُ باللهِ تعالى وتعلُّقُ القلبِ بهِ: الإيمانُ باللهِ عز وجل يدفعَ به الإنسانُ الهمَّ والغمَّ، والرسولُ قال لأبي بكرٍ رضي الله عنه وهما في الغارِكما قال تعالى: ( لَا تَحْزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )التوبة/40، فنهاهُ عن الحزنِ والهمِّ والأعداءُ عند رؤوسِهما.
والإيمانُ سببٌ للحياةِ الطَّيِّبةِ، كما قال اللهُ عز وجل: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )النحل/97.
ولذا فالكافرُ يعيشُ في حَيَاةٍ ضَنْكٍ وشقاء لا يجدُ فيها السَّعادةَ إلا لحظاتٍ، ولهذا كان أصحابُ العملِ الصَّالحِ من هذه الأمة المباركة يقولون: “لو علمَ الملوكُ وأبناءُ الملوكِ ما نحن فيه من النَّعيمِ والسُّرورِ لجالدونا عليه بالسيوفِ!”، فالقضيَّةُ ليست كثرةَ مالٍ ولا كثرةَ أعوانٍ، وإنَّما السَّعادةُ والطُّمأنينةُ في النفوسِ والقلوبِ والأرواحِ.

2 – الإيمانُ بالقضاءِ والقدرِ: أن تؤمنَ بأنَّ اللهَ عز وجل قد كتبَ لكَ هذا، وأنَّه أصابَكَ بقدرٍ من اللهِ قال تعالى: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ )الحديد/22-23. فالإنسانُ إذا علمَ أنَّ هذا مكتوبٌ ومقدَّرٌ أورثَهُ ذلك دفعَ المكروهِ والهمِّ عن نفسِه والغم بما أصابه.

3 – ذكرُ اللهِ وقراءةُ القرآنِ والتَّسبيحُ: قال تعالى: ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ )الحجر/97-99. فتسبيحُ اللهِ وذكرُهُ وقراءةُ القرآنِ أسبابٌ عظيمةٌ لدفْعِ الهمومِ والأحزانِ عن النفوس والقلوب.

4 – الدُّعاءُ والالتجاءُ إلى اللهِ: بسؤالِ اللهِ العفوَ والعافيةَ، والدُّعاءِ بالدُّعاءِ العظيمِ دعاء الهم والحزن الذي علَّمَهُ النبيُّ لأمَّتِه: “ما أصاب أحدًا قطُّ همٌّ ولا حَزَنٌ فقال اللهمَّ إني عبدُك ابنُ عبدِك ابنُ أمَتِك ناصيَتي بيدِك ماضٍ فيَّ حُكمُك عَدْلٌ فيَّ قضاؤُك أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك أوْ علَّمْتَه أحدًا مِنْ خلقِك أو أنزلته في كتابِك أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك أنْ تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي ونورَ صدري وجلاءَ حُزني وذهابَ هَمِّي إلا أذهب اللهُ همَّه وحُزْنَه وأبدله مكانه فَرَجًا”أحمد وابن حبان.

وكان إذا نزلَ به كَرْبٌ قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ العَظيمُ الحَليمُ، لا إلَهَ إلَّا اللهُ رَبُّ العَرشِ العَظيمِ، لا إلَهَ إلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَواتِ ورَبُّ الأرضِ، ورَبُّ العَرشِ الكَريمِ”رواه البخاري ومسلم.

التأسي بالأنبياء والتفريج عن المكروبين؟

1 – إنْ أصابَكَ همٌّ أو غمٌّ أو كَرْبٌ فَتَذَكَّرْ نبيَّكَ محمَّدًا ، وتذكَّرْ مصائبَ الأنبياءِ؛ فقد ابْتُلُوا بأنواعِ الابتلاءاتِ، فنبيُّنا محمَّدًا الصَّادقُ الأمينُ أُتُّهِمَ الكذبِ، والسِّحرِ، والجنونِ، وبأنَّه يريدُ الجاهَ والسُّلطانَ والمالَ، وهو صابرٌ ، فعن سعد بن أبي وقاص قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ النَّاسِ أشدُّ بلاءً؟ قال: الأنبياءُ ثمَّ الأمثلُ فالأمثَلُ، فيُبتلى الرَّجلُ على حسْبِ دينِه”رواه الترمذي وابن ماجه.
ويقولُ : “عَجَبًا لأمرِ المُؤمِنِ، إنَّ أمرَه كُلَّه خَيرٌ، وليسَ ذاك لأحَدٍ إلَّا للمُؤمِنِ، إن أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيرًا له”.
رواه مسلم.

ومن أعظمِ أسبابِ دفعِ الهمومِ الالتجاءُ إلى اللهِ ودعاءه بكشفِ الضُّرِّ قال تعالى: ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ )النمل/62.

2 – وكذلك رَفْعُ الهمِّ والغمِّ عن ضعيفٍ مغلوبٍ يفرج الهم والكرب، يقولُ الرسولُ : “مَن نَفَّسَ عن مُؤمِنٍ كُربةً مِن كُرَبِ الدُّنيا نَفَّسَ اللهُ عنه كُربةً مِن كُرَبِ يَومِ القيامةِ، ومَن يَسَّرَ على مُعسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدُّنيا والآخِرةِ، ومَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَه اللهُ في الدُّنيا والآخِرةِ، واللهُ في عَونِ العَبدِ ما كان العَبدُ في عَونِ أخيه…”رواه مسلم.