يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

عبادة عظيمة نغفل عنها كثيرا بمشاغل الحياة، و ما أحدثه الناس من المخترعات والمحدثات، عبادة التفكر في خلق الله سبحانه وتعالى، في تدبيره جل في علاه، وفي صنعه في الليل والنهار.

عبادة التفكر في خلق الله؟

جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أصله في صحيح مسلم ورواه ابن حبان والترمذي أن الرسول قال لعائشه وهو في فراشه : “يا عائشةُ ذَرِيني أتعبَّدِ اللَّيلةَ لربِّي” قُلْتُ : واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَك وأُحِبُّ ما سرَّك قالت : فقام فتطهَّر ثمَّ قام يُصَلِّي قالت : فلم يزَلْ يبكي حتَّى بَلَّ حجرَه قالت : ثمَّ بكى فلم يزَلْ يبكي حتَّى بَلَّ لِحيتَه قالت : ثمَّ بكى فلم يزَلْ يبكي حتَّى بَلَّ الأرضَ فجاء بلالٌ يُؤذِنُه بالصَّلاةِ فلمَّا رآه يبكي قال : يا رسولَ اللهِ لِمَ تَبكي وقد غفَر اللهُ لك ما تقدَّم وما تأخَّر ؟ قال : “أفلا أكونُ عبدًا شكورًا لقد نزَلَتْ علَيَّ اللَّيلةَ آيةٌ، ويلٌ لِمَن قرَأها ولم يتفكَّرْ فيها”

( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) آل عمران 190-191

دلائل التفكر في السماوات والأرض؟

آيات عظيمه كم نمر عليها ولا نتفكر ولا نتدبر.
وقد قال عز وجل ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لدلالات وبراهين خلق السماوات، بارتفاعها وعلوها، وكواكبها ونجومها، وسياراتها وثوابتها، والأرض وجبالها ووهادها، وبحارها وقفارها، وما فيها من أشجار وحيوان وطير، واختلاف الليل والنهار يطول هذا ويقصر هذا، ويطول هذا ويقصر هذا ويعتدلان، لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ،

أولي العقول، العقول المنفتحه التي ليس عليها حجاب ولا عليها ران، هذه العقول أهلها يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، يذكرون الله دائما ولذلك هم ينتفعون بهذه الآيات، ويقولون رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا، ما خلق الله عز وجل هذا الخلق العظيم، وهذه السماوات العلى والأرض، والليل والنهار، ما خلقه عبثا، لأن الله عز وجل حكيم عليم، لا يخلق لعبا ولا عبثا، بل للجزاء والحساب والثواب والعقاب.

-التفكر فيما ذكره الله عز وجل، ونبه إليه خلقه، إلى أن يتعظوا فيه، وأن يتدبروا ما خلق الله عز وجل فيه، ( أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت )، هذه الإبل التي هي ركوبهم ومأكلهم ومشربهم، سبحان الله كيف جمع الله عز وجل فيها ذلك كله، يركبونها، وتحمل أثقالهم، ويأكلون لحمها ويشربون لبنها، وهي قادره على قطع المسافات الطويله في الحر الشديد بلا ماء، سبحان الله، قال تعالى: ( أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ) سورة الغاشية، جبال عاليه شاهقة الإرتفاع كيف رفعت، والى الأرض كيف سطحت، وتسهلت لمن يمشي فيها ويسافر من بلد إلى بلد، هذا تسهيل من رب العالمين،

الإعراض عن آيات الله؟

ينبغي للمسلم النظر في آيات الله، ولا يغفل عنها إلا الغافلون، كما قال الله عز وجل عن الكفره الجحده: ( وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ) سورة يوسف، كم من آيه، آيات كثيره يمرون عليها وهم عنها معرضون.

طبع الله عز وجل على قلوبهم، وعلى عقولهم، وعلى سمعهم وأبصارهم، فلا ينظروا إلى هذه الآيات العظيمه، بل هم عنها معرضون متشاغلون، فقد كان النبي إذا قرأ القرآن تدبر وتفكر.

-كما جاء في الحديث الصحيح: أنه كان إذا مر بآيه فيها عذاب استعاذ بالله، وإذا مر بآيه فيها سؤال وجنه سأل الله عز وجل من فضله، اذاً هو يتفكر في الآيات، ويتدبر فيما يقرأ ، ويحث الصحابه رضي الله عنهم على ذلك.

-الرسول كان جالسا مع أبي ذر والحديث في مسلم والشمس قاربت الغروب قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ؟ قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فإنَّهَا تَذْهَبُ حتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنَ، فيُؤْذَنُ لَهَا، ويُوشِكُ أنْ تَسْجُدَ، فلا يُقْبَلَ منها، وتَسْتَأْذِنَ فلا يُؤْذَنَ لَهَا، يُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِهَا، فَذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38] .
علامة من علامات الساعه الكبرى، المؤذنه بقيام القيامة، أن الناس ينتظرون الشمس أن تشرق من المشرق، فلا تخرج من المشرق، وإنما تفاجئهم وتخرج من المغرب، وإذا خرجت الشمس من المغرب أغلق باب التوبه فلا يقبل من أحد بعد طلوعها من مغربها توبة، ولا يقبل منه زيادة في العمل، لأن الناس إذا رأوا الشمس طلعت من المغرب، سارعوا إلى التوبه، لكن باب التوبة قد أغلق بخروج الشمس من مغربها.

التفكر في خلق الإنسان؟

خلق الإنسان فيه آيات وبراهين، الله عز وجل خلق الإنسان من نطفه قال تعالى: ( أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ) المرسلات، وقال تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا، فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا، ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ )المؤمنون.

الإنسان هذا آيه من آيات الله عز وجل، أنت تتعجب أيها المسلم من الحاسوب، تتعجب من الكمبيوتر، من الذي صنعه، الذي صنعه هو إنسان، صحيح أنه يتميز بالحفظ ويتميز بالتكرار، لكن الإنسان حفظه أعظم ما يحفظه الإنسان كل يوم ببصره وسمعه لو أراد الإنسان أن يستعرضه في أسبوع ما يكفي، الصور التي تراها كل يوم، وتخزن في الدماغ والعقل، والأحاديث والكلام والطعام والشراب وغير ذلك، لو أردت أن تسترجعه وتعرضه في أسبوع لم يكفي ذلك.

الإنسان أعظم من الحاسوب، وأعظم من هذه الكمبيوترات، التي يفتن بها الناس، لأن الله عز وجل هو الذي هيأ له صنع هذه الآلة لخدمته وخدمة البشر.

ذكر الله يعين على عبادة التفكر؟

لابد للمسلم من هذه العبادة، ولا بد أن يراجع نفسه، وأن يراجع أعماله، وأن يراجع طاعاته وعباداته، لأن الطاعة، ولأن العبادة، ولأن ذكر الله يعين على عبادة التفكر والتدبر والتأمل.

كما قال الله عز وجل: ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )آل عمران.

ويقول الله سبحانه وتعالى في آيه أخرى: ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) الأعراف، المتكبر على عباد الله الذي ينظر إلى الناس باحتقار، والذي يتكبر عن اتباع الحق، يطبع الله على قلبه، يصرفه يُصرف عن التدبر وعن التأمل والتفكر.

قال عز وجل (  وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ) الأعراف، سبحان الله لو حشر الله عليهم الآيات كلها قال تعالى: ( إِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ) الأعراف، سبحان الله يرى الحق لا يتبعه، يرى الباطل يسير وراءه، عقوبه عاقبهم الله بذلك، لأن اتباع الحق والهدايه للتوحيد والايمان، نعمة عظيمة من الرحمن.

أنت أيها المسلم في نعمة عظيمة إذا عرفت آيات الله، إذا اطلعت على تدبير الله وعلى حكمه وأحكامه جل جلاله وتقدست أسماؤه، علينا التوبه إلى الله عز وجل من كل ذنب يحول بيننا وبين معرفه الله وآياته العظيمة في أرضه، وسمائه، وخلقه، وإنسه، وجنه.