عبادة السر وطاعة الخفاء، زينة العبد في خلوته، وهي قربة عظيمة إلى ربه، يتزود بها من دنياه لآخرته، تفرج بها الكربات وترفع بها الدرجات، وتحط بها السيئات.

فضل عبادة الخفاء؟

عبادة الخفاء دليل الإيمان والإحسان، والإخلاص للرحمن، قال في الإحسان: “أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ” البخاري ومسلم.
الطاعه في الخفاء والعبادة في السر، لها فضائل عظيمه، ودرجات مباركه ترفع العبد في الدنيا والآخره.

أولها: أنها دليل الصدق والإخلاص، أن العبد مخلص لربه، صادق في إيمانه، متبع لكلام ربه سراً وعلانية، لا يبالي بالخلق، وإنما هو يراقب الخالق سبحانه وتعالى.

الأمر الثاني: أن عبادة الخفاء من أسباب الثبات في الشدائد والفتن والمحن، فالعبد إذا كانت سريرته طيبه، يثبت في المحنه، وفي الشدة، وفي الفتنه، بل ينجيه الله سبحانه وتعالى بخوفه لربه في السر.

يقول الإمام ابن القيم عبادات الخفاء أو طاعات الخفاء من أعظم أسباب الثبات، ومن أسباب الانتكاسات الذنوب في الخلوات.

كثير من الناس ظاهره الصلاح، ظاهره الاستقامه، ولكن نسمع بعد حين أنه قد انتكس على عقبيه، وصار ضالا أو فاسقا، هذا كما قال أهل العلم لأنه فيما يظهر لنا، يظهر الطاعه، ولكن له ذنوب في الخلوات جرته إلى هذه الانتكاسه عفانا الله واياكم.

ثالثا: إن العباده في الخفاء أعظم أجراً وأشق على النفس، وهي أكثر فضلا عند الله عز وجل لأنها لا يستطيعها المنافقون، قال تعالى: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ ) النساء 142، ثم قال سبحانه: ( يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا )، حتى لو قام إلى صلاة الجماعه قام مرائيا لا يذكر الله عز وجل في صلاته إلا قليلا.

ولهذا جعلها ربنا سبحانه وتعالى علامة النفاق، والرياء، والمصانعه للخلق، ومراقبتهم عند العمل، هذا هو دأب المنافقين، ولذلك كانت العبادة في السر أعظم أجراً، قال سبحانه وتعالى: ( إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) البقرة 271.

فضل عبادات الخفاء في السنة النبوية؟

-جاء في الحديث قال : “السبعه الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل الا ظله ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ” البخاري.
لا يريد الناس تعلم أنه يصنع المعروف، أو أنه يتصدق، أو أنه يقضي حاجات المساكين والضعفاء، إنما يفعل ذلك سرا.

-وقال كما في الحديث أيضا: “ورجلٌ ذَكرَ اللَّهَ خاليًا ففاضت عيناهُ” البخاري، ما يتصنع البكاء للناس، ولا يتصنع البكاء في الصلاه، إنما هو إذا ذكر الله خاليا فاضت عيناه وبكى، يتذكر خشيه الله، يتذكر ذنوبه وتقصيره، يتذكر مقام الرب العظيم جل جلاله وتقدست أسماؤه، فهو يراقب الله عز وجل.

-وفي الحديث الصحيح يقول : “صدقةُ السرِّ تطفئُ غضبَ الربِّ” الطبراني، الإنسان لا يريد بذلك رياء ولا سمعة، ولذلك كانت هذه الصدقة عظيمة عند الله جل جلاله وتقدست أسماؤه.

العباده في الخفاء والتطوع أعظم أجرا، ولذلك كان النبي إذا صلى الجمعه دخل بيته فصلى ركعتين، وإذا صلى المغرب والعشاء دخل بيته فصلى ركعتين، وجاء في الحديث: “أن فضل النافله والراتبه في البيت كفضل الجماعة على البيت” يعني الراتبه إذا صليتها في البيت ب 27 درجه أو 25 درجه حيث لا يراك الناس، حيث لا تراك أعين الناس، أنت بعيد، تؤدي هذه العبادة في الخفاء.

عبادة الخفاء تنجي من الكرب؟

أيضا من فضل عبادات الخفاء، أنها تنجي المسلم من الكرب، ومن الشده والمحنه.
ربنا عز وجل لما ذكر نبيه يونس عليه الصلاه والسلام الذي التقمه الحوت قال تعالى: ( فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) الصافات 143، لولا أن يونس عليه الصلاة والسلام كان دائما يسبح الله عز وجل، لبقي في الكرب العظيم.

وقد جاء في الحديث الصحيح “أن دعوة يونس عليه الصلاه والسلام واستغفاره وتسبيحه، هو قوله دائما “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

قال “دعوةُ ذي النُّونِ إذ دعا وهو في بطنِ الحوتِ لا إلهَ إلَّا أنتَ سبحانَك إنِّي كنتُ من الظالمينَ فإنَّه لم يدعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطُّ إلَّا استجاب اللهُ له” الترمذي والنسائي.