نريد أن نشير إلى أن الزواج في الإسلام ليس مجرد علاقة بين شخصين، ولكنه علاقة بين أسرتين؛ ومن ثّمَّ كانت موافقة الأهل من الطرفين أمرا محمودا ومطلوبا، ولكن إذا حدث لون من التعسف أو سيطرت العادات والتقاليد، وفرض الوالد أو الوالدة على الفتى أو الفتاة أن يتزوج كما يرى، فإنَّ مخالفة الوالدين في هذه الحالة لا إثم فيها شرعا.

 وإن كان الأولى أن يحاول كل من الفتى والفتاة التفاهم مع الوالدين حتى يبارك كل منهما العلاقة الزوجية المشروعة.

وأذكر بهذه المناسبة أن فتاة في عصر الرسول ـ ـ زوَّجها أبوها من ابن أخيه، ولم تكن راضية في الأصل، وذهبت إلى الرسول ـ ـ وعرضت عليه ما فعله أبوها، فلم يقر الرسول ـ ـ ما فعل الوالد، ولكن الفتاة كانت مخلصة لوالدها فقالت: قد أجزت ما فعل أبي، ولكن أردت أن يعلم الرجال أنَّ هذا الأمر ليس لهم فيه شيء.[1]

 وبهذه المناسبة أشير إلى رأي فقهي يتمسك به بعض الآباء، وهو أن هناك ما يسمى بولاية “الإجبار”[2] وبخاصة بالنسبة للفتاة البكر، فقال: جمهورهم يجوز للأب إجبار الفتاة على الزواج بمن يراه، وهذا رأي غير مسلم؛ لأن المرأة في الإسلام إذا بلغت راشدة كانت لها شخصيتها المالية المستقلة، فإذا جاز لها أن تتصرف في مالها بحرية، أفلا يحق لها أن تتصرف في نفسها؟!

 وإذا كان الأمر هكذا بالنسبة للمرأة فمن باب أولى يكون الحق للرجل، ولا بد هنا أيضا من الإشارة إلى أن يكون هناك لون من التفاهم والتعاون بين الوالدين والأبناء.

 وأنصح الوالدين بأن يدركوا أن للأبناء ظروفا وعصرا يختلف عن ظروفهم وعصرهم، عليهم أن يقدموا لهم النصائح، ولكن لا يجوز لهم أن يكرهوا الأبناء على الزواج بمن لا يرغبون.

يقول الشيخ عطية صقر– رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا :-
مخالفة الوالدين في اختيار الزوج أو الزوجة حرام إذا كان لهما رأي ديني في الزوج أو الزوجة يحذران منه، أما إذا كان رأي الوالدين ليس دينيًا، بل لمصلحة شخصية أو غرض آخر –والزواج فيه تكافؤ وصلاح – فلا حرمة في مخالفة الوالدين.
ومطلوب أن يكون هناك تفاهم بالحسنى بين الطرفين، رجاء تحقق الاستقرار في الأسرة الجديدة، وحتى يتحقق الغرض الاجتماعي من الزواج الذي ليس هو علاقة خاصة فقط بين الزوج والزوجة، وإنما هو علاقة أيضًا بين أسرتين، وفيه دعم للروابط الاجتماعية.انتهى.

[1] يقصد ما رواه ابن ماجه في سننه عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَتْ فَتَاةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إِلَى الْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ. أهـ في بَاب مَنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهِيَ كَارِهَةٌ. قال الشيخ الألباني عن هذا الحديث: ضعيف شاذ.

[2] اتفق الفقهاء على إثبات ولاية الإجبار لبعض الأولياء على بعض المولى عليهم، فأجاز بعضهم للولي أن يجبر البكر البالغة العاقلة على النكاح ، وتزويجها بغير إذنها كالصغيرة  ولهم في ذلك تفصيل . (ينظر التفصيل في الموسوعة الفقهية الكويتية (41/259)