دفع الزكاة لبناء المساجد وعمارتها، حتى يذكر فيها اسم الله تعالى، وتقام شعائره وتؤدى الصلوات، وتلقى المواعظ، فهو من المصارف التي اختلف فيها العلماء قديمًا وحديثًا :

-أتعتبر ” في سبيل الله ” فتكون بذلك داخلة في مصارف الصدقات الثمانية، التي نصت عليها الآية الكريمة من سورة التوبة : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )آية60؟
-أم أن ” سبيل الله ” مقصورة على ” الجهاد ” كما هو رأي الجمهور ؟ .

هل يجوز صرف الزكاة لبناء المساجد في البلاد الفقيرة؟

يقول فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي: فصلت الكلام عن هذا الموضوع في كتابي : ” فقه الزكاة ” مما لا يتسع المجال لذكره هنا .
وقد أيدت هناك رأي الجمهور مع توسيع معنى الجهاد، بحيث يشمل الجهاد العسكري، وهو المتبادر إلى الذهن، والجهاد الفكري والتربوي والدعوى والديني ونحوها، من كل ما من شأنه حماية الوجود الإسلامي، والمحافظة على الشخصية الإسلامية، من الهجمات الشرسة أي من أهل الكفر والإلحاد والضلال التي تريد أن تقتلعها من الجذور.

وبناء على هذا أقول :

إن البلاد الغنية التي تستطيع الدولة ووزارات الأوقاف فيها أن تنشئ ما تحتاج إليه من المساجد، مثل بلاد الخليج، لا ينبغي أن تصرف الزكاة فيها لبناء المساجد؛ لأنها في غير حاجة إلى ذلك، ولوجود مصارف أخرى متفق عليها، لا تجد من يدفع لها من الزكاة أو من غير الزكاة.
ثم إن إقامة مسجد واحد في أحد أقطار الخليج تبلغ نفقاته ما يكفي لبناء عشرة مساجد أو أكثر في الأقطار المسلمة الفقيرة، والكثيفة السكان، حتى إن المسجد الواحد يخدم عشرات الآلاف …

ومن هنا أرى مطمئنا جواز دفع الزكــاة لإقامــة المســاجد في البلاد الفقـيرة المعرضــة لخطر أهل الكفر والإلحاد والضلال، أو غيرهم، بل قد يكون دفع الزكاة في هذه الحال أفضل من غيرها من المصـارف …

دليل القول بجوز صرف الزكاة لبناء المساجد في البلاد الفقيرة؟

يقول فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي: وحجتي في جواز ذلك أمران:
أولا : أن القوم فقراء، ويجب أن تتم لهم كفايتهم بسد الحاجات الأساسية التي لابد للإنسان منها حتى يحيا حياة كريمة تليق بإنسان مسلم .
والمسجد من الحاجات الأساسية للجماعة المسلمة، فإذا لم يكن لديها ما تقيم به مسجدًا من موارد الدولة، أو من تبرعات الأفراد ومن أهل الخير، فليس هناك ما يمنع من إقامته من مال الزكاة، بل الواجب أن يقام، حتى لا يبقى القوم بلا مسجد.

وكما يحتاج المسلم الفرد إلى الطعام والشراب لجسمه ليعيش، تحتاج الجماعة المسلمة إلى المسجد لروحها وإيمانها .
ولهذا كان أول مشروع أقامه النبي في المدينة، بعد هجرته إليها، هو تأسيس مسجده الشريف، الذي كان محور النشاط الإسلامي في ذلك العهد.

ثانيًا : أن المسجد في حالة البلاد المعرضة لخطر الغزو، أو الواقعة تحت تأثيره بالفعل، ليس مجرد دار للعبادة، بل هو قلعة للدفاع عن الهوية الإسلامية، والحفاظ على الشخصية الإسلامية .

والخلاصـة :
أن الصرف إلى المساجد في مثل هذه الأحوال هو صـرف ” في سبيل الله ” وفي إعلاء كلمـته، ونصرة دينه وأمته، وكل صرف في عمل تكون نتيجته أن تكون ” كلمة الله هي العليا ” فهو في سبيل الله.