وضع أئمة التفسير للمفسر شروطًا وآدابًا، من لم يتحقق بها فلا يجوز له أن يجتاز باب التفسير، وبحسبه أن يقف عليه طالبًا للتفسير لا مفسرًا.، ولذا وضع المفسرون للمفسر شروطًا وأدابًا، من لم يتحقق بها لا يجوز له أن يلج باب التفسير أبدًا.
الضوابط التي يجب أن تتوفر في مفسر القرآن؟
يقول الدكتور الحسيني أبو فرحة:
إن مهنة كالطب، يبذل لحياطتها وصيانتها الكثير حفاظًا عليها من الأدعياء صيانة لأرواح البشر، أن تضار على يدي الأدعياء، وليس هناك من خطر من الأدعياء في الطب أعظم من أن يخسر الإنسان حياته وهي مهما طالت قصيرة.
أما الخطر من أدعياء التفسير فعظيم ،إن الخطر هنا قد يؤدي إلى أن يخسر الإنسان دنياه وأخراه معًا. وأعظم الخسارتين أن يخسر الإنسان أخراه قال تعالى: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)العنكبوت/64، فهي الباقية والدنيا فانية ولا يقاس نعيم هنا بنعيم هناك، ولا شقاء هنا بشقاء هناك
-صحة الاعتقاد: قال الإمام أبو طالب في أوائل تفسيره:”اعلم أن من شروط المفسر صحة الاعتقاد أولاً ولزوم سنة الدين، فإن من كان مغموصًا عليه في دينه لا يؤتمن على الدنيا فكيف على الدين”.
-اعتماده على النقل عن النبي ﷺ: وعن أصحابه، ومن عاصرهم ويتجنب المحدثات، ومن شروطه صحة المقصد فيما يقول ليلقي التسديد، فقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)العنكبوت/69.
وإنما يخلص له القصد إذا زهد في الدنيا، لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن أن يتوسل بالتفسير إلى غرض يصده عن صواب قصده، ويفسد عليه صحة عمله.
-أن لا يكون صاحب بدعة أو هوى: قال الزركشي في البرهان: “اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني القرآن، ولا تظهر له أسراره، وفي قلبه بدعة أو كبر أو هوى أو حب دنياه، أو وهو مصر على ذنب أو غير متحقق بالإيمان، فهذه كلها حجب وموانع بعضها آكد من بعض”.
قال السيوطي: وفي هذا المعنى قوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)الأعراف/146.
قال سفيان بن عينية” المعنى “أنزع عنهم فهم القرآن. أخرجه ابن أبي حاتم.
-أن يكون جامعا لعلوم اللغة العربية والقراءات وغير ذلك: وقال غير هؤلاء من الأئمة: لا يجوز التفسير إلا لمن كان جامعًا للعلوم الآتية: “اللغة والنحو والصرف. والمعاني والبيان والبديع. والقراءات. وأصول الدين وأصول الفقه. وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والقصص والأحاديث المبنية للمجمل والمبهم. وعلم الموهبة”.
والصحابة والتابعون، كانت عندهم علوم العربية بالطبع، واستفادوا العلوم الأخرى من النبي ﷺ.
فإن علوم التفسير كما قدمنا ليست علومًا يكتسبها البر والفاجر، والطائع والعاصي، بل هي عند التحقيق كما قدمنا قسمان: قسم مبذول لكل ذي عقل وفكر منصف، وقسم هو هبة الله، لا يناله إلا أهله.
هذا، ومن استوفى هذه الشروط فطريقة التفسير الصحيح، أن يطلب تفسير القرآن، من القرآن أولاً، فإذا لم يجده في القرآن طلبه في أقوال النبي ﷺ.
فإذا لم يجده فيها أيضًا، طلبه في أقوال الصحابة، فإذا لم يجده فيها أخذ بمطلق اللغة.
-قال السادة العلماء: “من أراد تفسير كتاب الله طلبه أولاً من القرآن فما أُجمل منه في مكان فقد فُسر في مكان آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر منه، فإن أعياه ذلك طلبه من السنة، فإنها شارحة للقرى، وموضحة له”.
وقد قال الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو بما فهمه من القرآن. قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)النساء/105. وقال ﷺ: “ألا إني أُوتيتُ القرآنَ ومثلُه معه”أبو داود والترمذي، يعني السنة.
فإن لم يجده في السنة رجع إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله، ولما اختصوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح. (ص175،176 ج2 إتقان).
وقال مالك: لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب، يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالاً” (رواه البيهقي في الشعب).
ومن هذه النصوص المتقدمة تبين لنا أن التفسير يطلب من أربعة منابع هي: القرآن ،وقول الرسول ﷺ، وقول الصحابي واللغة.
وهناك ينبوع خامس هو الذي دعا به النبي ﷺ، لابن عباس رضي الله عنهما، حيث قال: “اللهم فقًَّههُ في الدينِ ، وعلِّمْهُ التأويلَ”أحمد وابن حبان،. والذي عناه الإمام علي بقوله: “إلا فهمًا يؤتاه الرجل في القرآن” (ص179 ج2إتقان).انتهى
أما الجرأة على التفسير بلا وجه حق فهي من أكبر الكبائر،لأن النبي ﷺ قال: “إنَّ كَذِبًا عليَّ ليس كَكَذِبٍ على أحَدٍ، مَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا فليَتَبَوَّأْ مَقعَدَه مِنَ النَّارِ”أحمد ومسلم، فما بالنا فيمن كذب على الله تعالى،
ما هي شروط علم التفسير؟
1- سلامة العقيدة: لأن من انحرفت عقيدته فإذا فسر القرآن أول الآيات التي تخالف مذهبه الباطل، وحرفها حتى توافق مذهبه.
2 – التجرد عن الهوى: لأن الهوى يحمل صاحبه على نصرة مذهبه ولو كان باطلا، ويصرفه عن غيره ولو كان حقا.
3 – أن يكون المفسر عالما بأصول التفسير: أي أن يكون عالما بالقراءات والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ونحوها.
4 – أن يكون عالما بالحديث رواية ودراية: لأن أحاديث الرسول -ﷺ- هي المبينة للقرآن.
5- أن يكون عالما بأصول الدين: وهو “علم التوحيد” حتى لا يقع في آيات الأسماء والصفات في التشبيه أو التمثيل أو التعطيل.
6- أن يكون عالما بأصول الفقه: حتى يعرف كيف تستنبط الأحكام من الآيات، ويستدل عليها، ويعرف الإجمال والتبيين، والعموم والخصوص، والمطلق المقيد، ودلالة النص وإشارته ودلالة الأمر والنهي.
7 – أن يكون عالما باللغة وعلومها: كالنحو والصرف والاشتقاق، والبلاغة بأقسامها الثلاثة “المعاني والبيان والبديع”.