قال تعالى : [ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)  يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) ] آل عمران.

معنى الآيات السابقة؟

قول الله تعالى : { فرحين بما آتاهم الله } إلى آخر الآية : أي الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم وهم فرحون بماهم فيه من النعمة والغبطة ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدمون عليهم وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم نسأل الله الجنة .

وقال محمد بن إسحاق : { ويستبشرون } أي ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم .

قال السدي : يؤتى الشهيد بكتاب فيه يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بغائبهم إذا قدم .

قال سعيد بن جبير : لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا : يا ليت أخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير فاخبر رسول الله بامرهم وما هم فيه من الكرامة وأخبرهم – أي ربهم – أني قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه فاستبشرا بذلك فذلك قوله : { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم } الآية.

وقد ثبت في الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة وقنت رسول الله يدعوا على الذين قتلوهم ويلعنهم . قال أنس : ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع : ” أن بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا”.

ثم قال تعالى : { يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين } قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سواء الشهداء وغيرهم وقلما ذكر الله فضلا ذكر به الأنبياء وثوابا أعطاهم الله إياه إلا ذكر الله ما أعطى المؤمنين من بعدهم.

وقوله تعالى : { الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح } هذا كان يوم ( حمراء الاسد ) وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم فلما استمروا في سيرهم ندموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة فلما بلغ ذلك رسول الله ندب المسلمين إلى الذاهب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدا ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه لما سنذكره فانتدب المسلمون على ما بهم ما الجراح والإثخان طاعة لله عز وجل ولرسوله .

وعن عكرمة أنه : لما رجع المشركون عن أحد قالوا : لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم بئسما صنعتم ارجعوا فسمع رسول الله بذلك فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغوا ( حمراء الأسد ) فقال المشركون : نرجع من قابل فرجع رسول الله فكانت تعد غزوة فأنزل الله تعالى : { الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم }.

قال محمد بن إسحاق عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان : أن رجلا من أصحاب رسول الله كان قد شهد أحدا قال : شهدنا أحدا مع رسول الله أنا وأخي ورجعنا جريحين فلما أذن مؤذن رسول الله بالخروج في طلب العدو قلت لأخي : أتفوتنا غزوة مع رسول الله ؟ والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل فخرجنا مع رسول الله وكنت أيسر جراحا منه فكان إذا غلب حملته عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون .

وقال البخاري عن عائشة رضي الله عنها : { الذي استجابوا لله والرسول } الآية قلت لعروة : يا ابن أختي كان أبوك منهم ( الزبير ) و ( أبو بكر ) رضي الله عنهما لما أصاب نبي الله ما أصابه يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال : ” من يرجع في أثرهم ” فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير .

وروي عن عروة قال قالت لي عائشة إن أباك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح .

وكانت وقعة أحد في شوال وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة وإنهم قدموا بعد وقعة أحد وكان أصاب المؤمنين القرح واشتكوا ذلك إلى النبي واشتد عليهم الذي اصابهم وإن رسول الله ندب الناس لينطلقوا معه ويتبعوا ما كانوا متبعين وقال : ” إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج ولا يقدرون على مثلها حتىعام مقبل ” فجاء الشيطان يخوف أولياءه فقال : { إن الناس قد جمعوا لكم } وقال الحسن البصري في قوله : {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح } إن أبا سفيان واصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا فقال رسول الله : ” إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب فمن ينتدب في طلبه ” فقام النبي وابو بكر وعمر وعثمان وعلي وناس من أصحاب رسول الله فتبعوهم فبلغ أبا سفيان أن النبي يطلبه فلقي عيرا من التجار فقال : ردوا محمدا ولكم من الجعل كذا وكذا وأخبروهم أني قد جمعت جموعا وأني راجع إليهم فجاء التجار فأخبروا رسول الله بذلك فقال النبي : ” حسبنا الله ونعم الوكيل ” فأنزل الله هذه الآية.