يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
إن أعظم سورةٍ في القرآن هي فاتحته، هي أم الكتاب، هي سورة الفاتحة، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيه نبينا ﷺ، كما امتنَّ الله عز وجل عليه فقال تعالى: ( ولقد آتيناكَ سبعًا من المثاني والقرآنَ العظيم )الحجر/87.
وعن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: “ألا أُعَلِّمُكَ أعظَمَ سورةٍ في القُرآنِ قَبلَ أن أخرُجَ مِنَ المَسجِدِ، فذَهَبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليَخرُجَ مِنَ المَسجِدِ، فذَكَّرتُه، فقال: الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ. هي السَّبعُ المَثاني، والقُرآنُ العَظيمُ الذي أوتيتُه”البخاري.
هذه السورة من خصائصها أنه لم ينزَّل مثلها في الكتب السماوية السابقة كلها.
قال عليه الصلاة والسلام في حديث الترمذي: “ما أُنزلت في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها -أو مِـثلُها- هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه”.
مقاصد سورة الفاتحة وخصائصها؟
-هذه السورة وُضِعت في أول المصحف لأنها تدل على جميع أحكام القرآن ومقاصده.
-فيها توحيد رب العالمين.
-وفيها ذكر بعض صفاته الكريمة.
-وفيها ذكر المبدأ والمعاد والقيامة.
-وإثبات الرسالة والعبادة والاستعانة والصراط المستقيم.
-والتحذير مما يخالفه من الطرق المؤدية إلى الجحيم، والعياذ بالله تعالى.
من خصائصها:
-ومن خصائص هذه السورة أن الصلاة لا تصح إلا بها، كما قال ﷺ: “لا صلاة إلا بأم القرآن”، “لا صَلاةَ لمَن لَم يَقرَأْ بفاتِحةِ الكِتابِ” كما ثبت ذلك عند الشيخين.
-ومن خصائص هذه السورة المباركة “أنها شفاءٌ ورقية”، والله تبارك وتعالى قد أنزل كتابه شفاءً لما في الصدور وشفاءً بما في الأبدان.
-كتاب الله يشفي ما في الصدور من الجهل والشك والريبة والتعلق بغير الله، يشفي من الكبر والنفاق والحسد والبغي والعقوق وسائر الأمراض، كما أن كتاب الله شفاءٌ للأبدان، يُشفى به المريض إذا قُرِئ عليه.
فعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه -والحديث في الصحيحين-“انطَلَقَ نَفَرٌ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سَفرةٍ سافَروها، حتَّى نَزَلوا على حَيٍّ مِن أحياءِ العَرَبِ، فاستَضافوهم فأبَوا أن يُضَيِّفوهم، فلُدِغَ سَيِّدُ ذلك الحَيِّ، فسَعَوا له بكُلِّ شَيءٍ، لا يَنفَعُه شَيءٌ، فقال بَعضُهم: لو أتَيتُم هؤلاء الرَّهطَ الذينَ نَزَلوا؛ لَعَلَّه أن يَكونَ عِندَ بَعضِهم شَيءٌ، فأتَوهم، فقالوا: يا أيُّها الرَّهطُ، إنَّ سَيِّدَنا لُدِغَ، وسَعَينا له بكُلِّ شَيءٍ، لا يَنفَعُه؛ فهل عِندَ أحَدٍ مِنكُم مِن شَيءٍ؟ فقال بَعضُهم: نَعَم، واللهِ إنِّي لَأرقي، ولَكِن واللهِ لَقدِ استَضَفناكُم فلَم تُضَيِّفونا، فما أنا براقٍ لَكُم حتَّى تَجعَلوا لَنا جُعلًا، فصالَحوهم على قَطيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فانطَلَقَ يَتفِلُ عليه، ويَقرَأُ: (الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ)، فكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقالٍ، فانطَلَقَ يَمشي وما به قَلَبةٌ، قال: فأوفَوهم جُعلَهمُ الذي صالَحوهم عليه، فقال بَعضُهم: اقسِموا، فقال الذي رَقى: لا تَفعَلوا حتَّى نَأتيَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فنَذكُرَ له الذي كانَ، فنَنظُرَ ما يَأمُرُنا، فقدِموا على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فذَكَروا له، فقال: وما يُدريكَ أنَّها رُقيةٌ؟ ثُمَّ قال: قد أصَبتُم، اقسِموا، واضرِبوا لي معكُم سَهمًا. فضَحِكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم”.
-ومن أسماء سورة الفاتحة “الشافية”، “الكافية”، لو أخذ بها المسلم لَشفتْه وكفتْه. ثم قال لهم ﷺ: “- إنَّ أحقَّ ما أخذتُم عليه أجرًا كتابُ اللهِ”البخاري.
تفسير آيات السورة ومعانيها؟
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: – قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ قسَّمتُ الصَّلاةَ بيني وبينَ عبدي شَطرينِ فنصفُها لي ونصفُها لعبدي ولعبدي ما سألَ قالَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ اقرءوا يقولُ العبدُ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } فيقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ حمِدَني عبدي ولعبدي ما سألَ فيقولُ { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } فيقولُ أثنى عليَّ عبدي ولعبدي ما سألَ يقولُ { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } فيقولُ اللَّهُ مجَّدني عبدي فهذا لي وهذهِ الآيةُ بيني وبينَ عبدي نصفينِ يقولُ العبدُ { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } – يعني فهذهِ بيني وبينَ عبدي – ولعبدي ما سألَ وآخرُ السُّورةِ لعبدي يقولُ العبدُ { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } فهذا لعبدي ولعبدي ما سألَ”مسلم،أبو دود، النسائي،الترمذي.
هذه السورة معانيها عظيمة، ويمكن أن تدخل فيها جميع مقاصد القرآن من العقيدة والشريعة، من أصول الدين وفروعه. وقد ألّف فيها العلماء المؤلفات، حتى إن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى ألّف في قوله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} كتابًا في ثلاثة مجلدات، يشرح فيه منازل {إياك نعبد وإياك نستعين}.
–معنى قوله تعالى: ( الحمد لله ) :هذه السورة بدأت بالحمد والثناء على الله عز وجل، ( الحمد لله )؛ الثناء على الله عز وجل بما هو أهله من صفات العظمة والجلال والكمال، فالله ربنا موصوفٌ بصفات الكمال والجمال والجلال، من العلم والحكمة والقدرة والإرادة والحياة وغيرها من صفات الكمال لله سبحانه وتعالى.
وهو سبحانه لا مثل له، لا يشبه شيئًا من مخلوقاته سبحانه وتعالى، ولذلك من قال إن لله ولدًا فقد أساء إلى ربه، لأنه شبَّه الله بمخلوقاته، وجاء في الحديث الصحيح يقول الله تعالى: “- قالَ اللَّهُ تبارَك وتعالى كذَّبني ابنُ آدمَ ولم يَكن ينبغي لهُ أن يُكذِّبني وشتَمني ابنُ آدمَ ولم يَكن ينبغي لهُ أن يشتُمَني أمَّا تَكذيبُه إيَّايَ فقولُه إنِّي لا أعيدُه كما بدأتُه وليسَ آخِرُ الخلقِ بأعزَّ عليَّ من أوَّلِه وأمَّا شتمُه إيَّايَ فقولُه {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} وأنا اللَّهُ [الأحدُ] الصَّمدُ لم ألِد ولم أولَد ولم يَكن لي كفُوًا أحدٌ”البخاري،النسائي،أحمد. فربنا سبحانه وتعالى موصوفٌ بصفات الجمال والكمال والجلال، نصفه بذلك تعظيمًا له ومحبةً له.
–معنى قوله تعالى:( رب العالمين ) الذي ربّى جميع مخلوقاته بنعمه، هو الذي يرزق وهو الذي يخلق وهو الذي يوجد وهو الذي ينعم وهو الذي يعطي سبحانه وتعالى، والعالمين هم سكان السماوات وسكان الأرض وما بينهما، فالله رب كل هذا.
–معنى قوله تعالى: ( الرحمن الرحيم ) اسمان دالان على الرحمة، “الرحمن” مشتقٌ من الرحمة، “الرحيم” مشتقٌ من الرحمة، فربنا سبحانه متصفٌ بهذه صفة، هو أرحم الراحمين سبحانه وتعالى. هو أرحم بنا من أمهاتنا كما جاء في الحديث الصحيح، هو رحمن الدنيا ورحيم الآخرة كما قال بعض أهل العلم.
–معنى قوله تعالى: ( مالك يوم الدين ) وفي القراءة الأخرى الصحيحة ( مَلِكِ يوم الدين ). الله تعالى مالك الدنيا والآخرة، ولكن لماذا قال ( مالك يوم الدين )؟ لأن في الدنيا من نازع الله ملكه، من ادعى أن له ملكًا، وأن له ربوبية، وأن له طاعةً مطلقة، لكن في الآخرة يقول الله عز وجل: ( يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ )غافر/16. في يوم القيامة لا ينازع أحدًا ربَّ العالمين ملكه، ولذلك كان هو مَلِك يوم الدين، ومالك يوم الدين، وهذه الآية فيها إثبات الآخرة، فيها إثبات الحساب والجزاء ويوم القيامة.
–معنى قوله تعالى: ( إياك نعبد وإياك نستعين )، فقوله ( إياك نعبد ) نخصك بالعبادة، لا نعبد غيرك، لا نعبد سواك ولا نعبد معك أحدًا؛ هذا الشرك.
العبادة: الصلاة عبادة، الدعاء عبادة، النذر عبادة، الاستغاثة عبادة، التوكل عبادة، هذه العبادات لا تُصرف إلا لله عز وجل. فلا تركع ولا تسجد إلا لله، ولا تستغيث بما لا يقدر عليه إلا الله إلا بالله سبحانه وتعالى. وقوله ( وإياك نستعين ) نستعين بك يا رب العالمين على أمورنا كلها ولا سيما العبادة، فمن أعانه الله صلى وسجد، ومن لم يعنه خُذِل، والعياذ بالله. ولهذا كان ﷺ يقول في دبر كل صلاة: “اللهمَّ أعنِّي على ذكرِك وشكرِك وحسنِ عبادَتِك”أبو داود. وهذه الآية قال الله تعالى فيها: “هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل”.
فإذا قال: ( اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) قال الله تعالى: “هذه لعبدي ولعبدي ما سأل”.
–معنى قوله تعالى: ( اهدنا الصراط المستقيم ) الموصل إلى جنات النعيم، هذا الصراط هو الطريق الواضح الجلي، والله تعالى قد جعلنا على بينة وطريقٍ واضح؛ طريق أهل الجنة معروف وطريق أهل النار معروف، (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ )الحشر/20. من أراد جنات النعيم فالطريق إليها واضح؛ صراط، طريق، بيّن، ظاهر، ليس بخفي والحمد لله، لأن الله تعالى أنزل كتابه وأرسل رسوله ووصفه سبحانه بأنه مستقيم، ليس فيه عوج، لا انحراف فيه لا في العقيدة ولا في الشريعة.
–معنى قوله تعالى: ( صراط الذين أنعمت عليهم ) قال عز وجل: ( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا )النساء/69. هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة التامة، أعظم الناس هداية هم الأنبياء، ثم الصديقون والعلماء الربانيون الأحبار الذين يعملون بما يعلمون، ثم الصالحون والشهداء، فيسأل ربه ( اهدنا الصراط المستقيم ).
قد يقول قائل: المصلي مهتدي، كيف يقول اهدنا؟ نقول: طلبًا لزيادة الهداية، الهداية درجات فالمصلي يقول اهدنا يطلب الزيادة، وأيضًا يطلب الثبات والاستمرار، فكم من مصلٍّ ترك الصلاة، وربما مات وهو تاركٌ للصلاة، فالمصلي يقول اهدنا؛ ثبّتنا على الصلاة والهداية حتى نلقاك يا رب العالمين.
–معنى قوله تعالى: ( غير المغضوب عليهم ) وهم الذين علموا فلم يعملوا، علموا بأمر الله، علموا بأوامر الله ولكنهم لم يعملوا. و( ولا الضالين ) هم الجاهلون الذين يعبدون الله بالهوى وبالجهل. وجاء في الحديث: “- اليهودُ مغضوبٌ عليهم ، والنصارى ضُلَّالٌ”الترمذي، النسائي، وكل من تشبّه بهم.
فالمسلم إذا علم أمر الله ولم يعمل به ففيه شبهٌ باليهود، والعياذ بالله.
والمسلم الجاهل الذي يتوضأ بغير علم، ويصلي بغير علم.
ويبيع ويشتري بغير علم.
ويتزوج ويطلق بغير علم.
فيه شبهٌ بالنصارى الذين يعبدون الله بجهل وهوى وبعد عن الصراط المستقيم، نعوذ بالله تبارك وتعالى من هذين الطريقين.