يقول فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ أحمد الشرباصي الأستاذ بجامعة الأزهر رحمه الله في كتابه يسألونك..:

حكم الاستماع لأصوات المغنيات يتوقف على حالة هذه الأصوات، فإذا كان فيها تكسُّرٌ وإثارة للشهوة فإنها تحرم، ويحرم الاستماع إليها، لمَا في ذلك من الوقوع في الإثم، ولما في هذه الأصوات من إثارة الفتنة.

وكذلك إذا كان الغناء يتضمن شيئًا منكرًا حرامًا، فإنه لا يجوز صدوره من قائله، ولا يجوز الاستماع إليه من غيره، وأما إذا كان الصوت مستقيمًا عفيفًا غير مُتكسِّر، وغير مُثير للفتنة، وكانت المعاني التي يتضمنها الغناء عفيفة شريفة، تبعث الهمَّة والنخْوة، وفضائل الأخلاق، فلا يَحرم الاستماع إليه.

-تقول الربيع بنت معوذ بن عفراء جَاءَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ علَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا، يَضْرِبْنَ بالدُّفِّ ويَنْدُبْنَ مَن قُتِلَ مِن آبَائِي يَومَ بَدْرٍ، إذْ قالَتْ إحْدَاهُنَّ: وفينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ ما في غَدٍ، فَقالَ: دَعِي هذِه، وقُولِي بالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ.انتهى

-فقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُقرِّرُ إعْلانَ النِّكاحِ بالدُّفِّ وغَيرِه مِن الأُمورِ المُباحةِ، وكان يَحضُرُ بعضَ هذه المُناسَباتِ، فيُعلِّمُ النَّاسَ ما يَجوزُ، وما لا يَجوزُ مِن الأقْوالِ والأفْعالِ.

وفي هذا الحَديثِ تُخبِرُ الرُّبَيِّعُ بِنتُ مُعوِّذِ بنِ عَفْراءَ الأنْصاريَّةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دخَل عليها في بيتِها لَيلةَ عُرسِها وزِفافِها على زَوْجِها، وهو الصَّحابيُّ إياسُ بنُ البُكَيرِ اللَّيْثيُّ رَضيَ اللهُ عنه، قالت: فجلَسَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على فِراشي كمَجلِسِكَ منِّي. تُخاطِبُ بهذا الكَلامِ مَن يَرْوي الحَديثَ عنها، وهو التَّابِعيُّ خالِدُ بنُ ذَكْوانَ، ويدُلُّ ذلك على البُعدِ؛ لأنَّ خالِدَ بنَ ذَكْوانَ ليس مَحرَمًا لها؛ فلا بُدَّ أنْ يَكونَ مَجلِسُه منها بَعيدًا.

وأخبَرَتْ أنَّ بعضَ الفَتَياتِ حَديثاتِ السِّنِّ بدَأْنَ يَضرِبْنَ بالدُّفِّ ويَندُبْنَ -أي: يَذكُرْنَ أوْصافَ- مَن قُتِلَ مِن آبائِهنَّ يَومَ بَدرٍ بالثَّناءِ عليهم، وتَعْديدِ مَحاسِنِهم بالكَرَمِ والشَّجاعةِ، وهو ممَّا يُهيِّجُ الشَّوقَ إليهم، والبُكاءَ عليهم، حتَّى قالتْ جاريةٌ منهُنَّ مادِحةً النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «وفينا نَبيٌّ يَعلمُ ما في غَدٍ»، فأوْقَفَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ونَهاها عن هذه المَقالةِ؛ فإنَّ مَفاتيحَ الغَيبِ عندَ اللهِ، لا يَعلَمُها إلَّا هو، وأمَرَها أنْ تَعودَ لمَا كانتْ تَقولُه مِن ذِكرِ مَحاسنِ المَقْتولينَ في بَدرٍ وغيرِ ذلك.