القضاء الذي يُردّ بالدعاء هو القضاء المعلّق، أما القضاء المُبرَم الذي سبق في علم الله تعالى أن يكون لا محالة فهو الذي لا يمكن أن يُردّ، وأما كون البِرّ يزيد في العمر فهو كلام في الأسباب لا في علم الله تعالى وقضائه في العباد ، فإن أهل البر يكونون أهنأ الناس عيشًا أو أن البر من أسباب الصحة التي هي مادة طول الحياة في الغالب.

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله-:

اتفق النقل مع العقل على أن كل ما يقع في الوجود فإنما يقع بحسب ما في علم الله تعالى ؛ لأن وقوع شيء على خلاف ذلك يستلزم الجهل وهو مُحَال على الله تعالى، فما خالف هذه العقيدة خلافًا حقيقيًّا فهو مردود نقطع بأنه مكذوب على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إذا لم يمكن تأويله وإرجاعه إليها .

وقد أول العلماء حديث ( لا يرد القضاء إلا الدعاء ) فقالوا : قد يكون في علم الله تعالى أن فلان يصاب بكذا أو يكون بصدد أن يصاب به فيدعو الله فيكشف عنه البلاء الذي كان معلقاً نزوله أو دوامه على عدم الدعاء ، وانكشافه على الدعاء ويسمون هذا القضاء المعلق ، أما القضاء المبرم هو ما سبق في علم الله تعالى أن يكون لا محالة فهو الذي لا يمكن أن يرد .

وإذا كان هذا التقسيم لأجل الجواب عن هذا الحديث فهناك أحاديث لا يمكن أن يجاب عنها، منها ما أخرجه أبو الشيخ عن أنس مرفوعًا ( أكثر من الدعاء فإن الدعاء يرد القضاء المبرم ) وما أخرجه ابن عساكر عن نمير بن أوس مرسلاً ( الدعاء جند من أجناد الله مجندة يرد القضاء بعد أن يبرم ) والحديثان ضعيفا السند جدًّا ، وقد ذكر المحدثون أن من علامة الحديث الموضوع مخالفته للعقائد القطعية والأصول الثابتة ومنها مخالفته للعقل وللوجود .

وأما كون البِرّ يزيد في العمر، فقد ورد بمعناه أحاديث في الصحيح وهو كلام في الأسباب لا في علم الله تعالى وقضائه في العباد ، قال بعض العلماء في تفسيره : إن أهل البر يكونون أهنأ الناس عيشًا لما بينهم وبين والديهم وأهليهم وسائر الناس من الحب وحسن المعاملة ، وهذه هي الزيادة في العمر، فإن من يعيش بالمناكدة والفجور كأنه لم يعش لأن حياته تذهب سدًى ، وفيه وجه آخر وهو أن البر وحسن الأخلاق والاعتدال في الأمور من أسباب الصحة واعتدال المزاج ، والصحة هي مادة طول الحياة في الغالب ، وهذا إنما يأتي بالنسبة لحالة البنية واستعداد الشخص، لا بالنسبة لما في علم الله تعالى ؛ لأنه لا يتغير ، وأكثر الكلام بين الناس يكون في الأسباب لا في أصول العقائد .