الراجح جواز هذه الصورة؛ فإن جعل الأجرة نسبة من المبيعات ليس ثمة نص يحرمه، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ومنعه جمهور الفقهاء بلا دليل يعتمد عليه.

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا- صاحب تفسير المنار-رحمه الله-:

قال الله تعالى في أول سورة المائدة : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ]( المائدة : 1 ) فكل ما يتعاقد عليه المسلمون يجب عليهم الوفاء به إلا إذا كان على معصية كالاستئجار على الزنا مثلاً ، فإذا اتفق تاجران على أن يبيع أحدهما أو كل منهما للآخر ما يرسله إليه من العروض ويشتري له بثمنه أو بمال آخر عروضًا معينة بالجنس والنوع أو غير ذلك من أنواع التعيين كما هو المتعارَف ويأخذ على المبيع والمشترى أجرًا يقدر بنسبة قيمته كخمسة في المائة كان هذا الاتفاق عقدًا صحيحًا يجب الوفاء به ؛ لأنه لم يحل حرامًا ولم يحرم حلالاً .

فإن قيل : إن هذه الأجرة مجهولة ، ويشترط في الأجرة أن تكون معلومة وغير متوقفة على العمل كما قال كثير من الفقهاء ؛ نقول : بل هي معلومة معينة ، فإن البائع والمشتري لغيره يعرف عند الاتفاق أجر عمله في الجملة وعند تعيين الثمن قبل عقد البيع أو الشراء ما يستحقه بالتفصيل ، وهذه الأجرة لا تتوقف على العمل ككون أجرة الطحن من الطحين .

على أننا نقول : إن ما يشترطه الفقهاء في العقود مما لم يرد به نص عن الشارع ، وإنما يعلل بالمصلحة يمكن أن تختلف فيه المصلحة باختلاف الزمان والمكان، فعِلَل الفقهاء ليست دينًا يتعبد باتباعه سواء قامت به المصلحة أو ترتبت عليه مفسدة ، ولا شك أن التجارة قد دخلت في طور يتعسر معه النجاح مع التزام جميع أقوال فقهاء أي مذهب من المذاهب .

وإذا تمسكنا بأصول الإباحة والبراءة والمحافظة على ما أحله الله وحرمه ، ولم نزد في عقولنا شروطًا ليست في كتاب الله تعالى فإنه يمكننا أن نسابق جميع الأمم في الأعمال المالية وتنمية الثروة التي عليها مدار قوة الأمة وعزة الملة في هذا العصر .

فإن قيل ورد في حديث أبي سعيد عند الدارقطني والبيهقي : ( نهى عن عَسْب الفحل ، وعن قفيز الطحان ) وفسروا قفيز الطحان بطحن الحب بجزء منه مطحونًا،واستنبطوا من ذلك أنه لا يجوز أن تكون الأجرة بعض المعمول بعد العمل كما قال الأئمة الثلاثة دون أحمد ، وفي حديثه عند أحمد وغيره : ( نهى رسول الله عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره ) ومنه أخذ الشافعي وأبو حنيفة وجوب كون الأجرة معلومة خلافًا لمالك وأحمد فإنهما حكما العرف في ذلك فما تقول في الشروط المأخوذة من هذين الحديثين ؟

والجواب : أن أمثال هذه الروايات ينظر في سندها ثم في معناها وعلة الحكم فيها..فأما حديث أبي سعيد الأول ففي إسناده هشام أبو كليب قال ابن القطان : لا يعرف، وزاد الذهبي أن حديثه منكر، ووثقه مغلطاي و ابن حبان ، والجرح مقدم على التعديل .

ثم إن ما فسروا به قفيز الطحان غير متفق عليه بل قال بعضهم : إنه قفيز كان يؤخذ زائدًا على الأجرة ، وهذا هو المتبادر وهو المعهود في بلادنا ، فنهى عنه ؛ لأنه من الباطل الذي لا مقابل له في العمل ، وإنما هو من قبيل ما يسمى الآن بالبقشيش .

وأما حديثه الآخر فرجال أحمد في سنده رجال الصحيح إلا أن إبراهيم النخعي راويه عن أبي سعيد لم يسمع من أبي سعيد كما قال في مجمع الزوائد وذكره أبو داود في المراسيل والنسائي غير مرفوع ، وفي بعض ألفاظه : ( من استأجرته ) فهو على الخلاف في الاحتجاج بمثله لا ينافي أن يكون بيان الأجرة أو تسميتها بكونها جزءًا من كذا جزءًا مما يبيعه أو يشتريه أو يحصله فإنه بذلك يكون على بصيرة لا يتطرق إليها الغبن والغش .

ولا نعرف حديثًا غير هذين الحديثين يمكن أن يستدل به على تحريم أخذ كذا بالمائة مما يباع أو يشترى أو يحصل أجرة أو عمولة وهما لا يدلان على ذلك .

نعم إذا جرى العرف بين التجار أو غيرهم بأن عمل كذا لا يؤخذ عليه شيء وأراد من عمله أن يأخذ عليه أجرًا أو عمولة من غير عقد يستحق به ذلك ولا عُرْف يجيزه له فإنه لا يجوز له أخذه ، وإذا أخذه بدون علم صاحب المال كان سارقًا .