يقول فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر
قال الله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي اْلأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًًّا كَبِيرَا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ فََجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً * ثُمًّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ ِلأنْفُسَكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوه أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)الإسراء/4ـ8.
المهم في هذه الآيات هو معرفة المَرَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَفْسَدَ فيهما بنو إسرائيل، وهناك كلام طويل وخلاف كبير بين العلماء في ذلك.
ما هو إفساد بني إسرائيل الأول والثاني؟
من أقرب الأقوال أنهم أفسدوا بقتل النبي زكريا عليه السلام كما قال ابن عباس وابن مسعود ـ رضي الله عنهم ـ أو بقتل النبي أشعياء كما يقول ابن إسحق، أو بتكذيب النبي أَرْمِيَاءَ كما نقل عن ابن عباس، فأرسل الله عليهم غُزَاةً من فارس “سنحاريب أو بختنصر” فعذبوهم وأسروا منهم كثيرًا وساقوهم إلى بابل.
ولما تابوا خلصهم الله من الأسر، وأَمَدَّهُمْ بالنعيم والقوة، محذرًا لهم من العودة إلى الإفساد فأفسدوا مرة ثانية، وذلك بقتل النبي يحيى بن زكريا، فسلط الله عليهم من انتقم منهم، واختُلِفَ في الذي انتقم منهم، فقيل: أحد ملوك بابل “خردوس وقيل كما في حديثٍ نُسِبَ إلى الرسول ـ قيصر الروم، حيث سَبَى منهم وقتل، وأخذ النساء والأموال، وأودع حُلِىَّ بيت المقدس في مكان ينتظر من يرده قرب قيام الساعة.
هذا ما في تفسير القرطبي، ويدل على أن المرتين اللتين أفسد فيهما بنو إسرائيل قد انْتَهَتَا قبل ظهور الإسلام.
هل الإفساد لليهود مرتين فقط؟
هل المكتوب على اليهود من الإفساد هو مرتان فقط، أو سيكون منهم إفساد آخر، لأن العبارة لا تقتضي الحصر؟ قيل بالثاني أي سيحصل منهم إفساد آخر بدليل قوله تعالى: (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا).
وقيل في تفسيرها: إنهم أفسدوا فسلَّط الله عليهم محمدًا ـ ﷺ ـ وأَجْلاهُمُ المسلمون عن جزيرة العرب، وامتلكوا بيت المقدس، وفَرَّ اليهود تائهين في أقطار الأرض.
وعلى فرض أنهم سيعودون كما عادوا من قبل إلى بيت المقدس فإن القرار الإلهي (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا) باقٍ، فإن أفسدوا فسيسلط الله عليهم مَنْ ينتقم منهم من عباد الله أُولِى البأس الشديد.
لكن مَنْ هم أُولو البأس الشديد؟ هل يكونون هم العرب والمسلمون أو غيرهم؟