هذه المقولة، والتي تحمّل المرأة ممثلة في أمنا حواء – مسئولية شقاء البشرية، وتعزو إليها أنها التي أغوت آدم، حتى أكل من الشجرة المنهي عنها…إلخ. مقولة غير إسلامية بلا ريب.

إن مصدرها هو التوراة وأسفارها وملحقاتها، وهو ما يؤمن به اليهود والنصارى، ويتحدث عنه مفكروهم وشعراؤهم وكتابهم. وقلدهم في ذلك بعض كتاب المسلمين تقليدًا ببغاويًا، دون نقد ولا تمحيص.

الذي يقرأ قصة آدم في القرآن الكريم، ويجمع بين آياتها المتفرقة في عدد من سوره الشريفة، يتبين له ما يأتي:

1- أن التكليف الإلهي بعدم الأكل من الشجرة المعنية كان لكل من آدم وزوجه: قال تعالى: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ). (البقرة: 35).

2- أن الذي أغرى الاثنين وأزلهما وأغواهما بالخداع والحيلة والقسم الكاذب هو الشيطان.

-كما قال تعالى في سورة البقرة: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ). (البقرة: 36).

-وفي سورة الأعراف تفصيل أوفي لما قام به الشيطان من كيد وإغراء كما قال تعالى: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). (الأعراف: 20- 23).

-وفي سورة “طه” ما ينبئ بأن آدم -عليه السلام- هو المسئول الأول عن المعصية، وليس حواء، ولذا كان التحذير من الله تعالى موجهًا إليه أساسًا وعلى الخصوص، وكان التقصير منسوبًا إليه، وكان العصيان محسوبًا عليه، وإن شاركته زوجه في المخافة، ولكن دلالة الآيات الكريمة ناطقة بأن دورها ليس كدوره، وكأنها أكلت وخالفت تبعًا له.
يقول تبارك وتعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا * إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ). (طه: 115- 122).

3- أن القرآن مصرح بأن آدم قد خلقه الله لمهمة حددت له من قبل أن يخلق، وهي المهمة التي تطلعت إليها الملائكة، وحسبوا أنهم أولى بها من آدم، وهذا ما نطقت به آيات سورة البقرة التي ذكرها الله تعالى قبل الآيات التي تحدثت عن سكنى الجنة والأكل من الشجرة ..إلخ.

-يقول تعالى: (ذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ). (البقرة: 30- 33).

-وقد صح في الحديث أنه “حاجَّ مُوسَى آدَمَ، فقالَ له: أنْتَ الذي أخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الجَنَّةِ بذَنْبِكَ وأَشْقَيْتَهُمْ، قالَ: قالَ آدَمُ: يا مُوسَى، أنْتَ الذي اصْطَفاكَ اللَّهُ برِسالَتِهِ وبِكَلامِهِ، أتَلُومُنِي علَى أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَنِي – أوْ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَنِي – قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى”مسلم،البخاري.

وهذا الحديث يفيدنا فائدتين:.
الأولى:
أن موسى وجه اللوم إلى آدم، ولم يوجهه إلى حواء، وهذا يدل على أن ما في التوراة من تحميل حواء عليها السلام تبعة الأكل من الشجرة المحرمة غير صحيح، وهو من التحريفات التي أدخلت على التوراة.

الثانية: أن إهباط آدم وذريته إلى الأرض أمر سبق به القدر الأعلى، وسطره القلم الإلهي في أم الكتاب، ليقوم هذا النوع المكلف المبتلى المختار برسالته فوق هذا الكوكب، كما أراد الله، فكان لا بد أن يقع.

4- أن الجنة التي أمر آدم أن يسكنها وأن يأكل من كل شجرها، إلا شجرة واحدة، والتي أمر بالهبوط منها بعد المخالفة، ليس مقطوعًا بأنها هي الجنة التي أعدها الله للمتقين في الآخرة، وجعل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

فقد اختلف علماء المسلمين في جنة آدم هذه: أهي تلك الجنة الموعودة ثوابًا للمؤمنين أم هي جنة من جنان الدنيا، كما قال الله تعالى: في سورة “القلم”: (نَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) (القلم: 17)، وكما قال في سورة الكهف: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * لْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ). (الكهف: 32).