يقول الدكتور إبراهيم بن عبد الله الأنصاري:
أصبحت المجتمعات اليوم مجتمعات مفتوحة، لا حواجز فيها أمام الأفكار والسلوكيات التي غزت كل المجتمعات، وهددت الخصوصيات الثقافية والدينية لكل بلد صغر أو كبر، وتبقى البيوت -لو أحسنا إدارتها- حصوناً أمينة للحفاظ على الأجيال، ولحماية دينهم وأفكارهم وأخلاقهم وسلوكياتهم، حتى يكونوا ذخيرة وعدة لمجتمعاتهم، يحافظون على دين المجتمع وهويته وقيمه، فتنجح بهم الجهود والمشاريع التربوية والتعليمية وغير ذلك من المشاريع.
التحديات التي تواجه الأبناء؟
يخرج أولادنا في كل يوم، وتخرج بناتنا في كل يوم، من البيوت إلى المدارس والأسواق والمرافق، فيحتكون ويتعرضون لأفكار وثقافات ومعتقدات وسلوكيات مختلفة، يرونها ويتعرضون لها، ولا يعرفون أسسها وخلفياتها الثقافية، ولا يدركون مدى خطورتها عليهم في دينهم وأخلاقهم.
يواجه أبناؤنا وبناتنا في هذا الفضاء المفتوح أنواعاً من التحديات:
-التحديات السلوكية: كالمخدرات والإباحية والعري والشذوذ والعنف وغير ذلك.
-وأصنافاً من التحديات العقدية: كالإلحاد والتشكيك بالثوابت الدينية.
-وأنواعاً من التحديات الفكرية: كانتقاص التاريخ الإسلامي والتشكيك في رموزه، ودعاوى الحرية المطلقة، والندية مع الآباء والأمهات، وغير ذلك.
هذا السيل الهادر الذي يتعرضون له ويُعرض عليهم بصورة جذابة، لا بد أنه يترك شيئاً من الأثر، يقل أو يكثر في قلوب الأبناء والبنات وفي عقولهم، وتؤثر هذه الأمور في سلوكهم وأخلاقهم، ثم يعودون للبيوت، يعودون إلى الآباء والأمهات والأهل، ويتكرر هذا يومياً.
ونحن نعلم أن ما يتكرر فإنه يتقرر.
ما هو دور البيت إزاء هذه التحديات؟
-ما هو دور البيت إزاء هذا التغيير وهذا الأثر الذي يتعرض له الأبناء يومياً؟
-ما دورنا نحن في حماية أبنائنا من هذا السيل الجارف؟
-هل البيوت مجرد فنادق للنوم والأكل؟
-هل البيوت مكان معدّ فقط للدراسة وحل الواجبات والاستعداد للامتحانات والضغط النفسي الذي يصاحب هذه الأمور؟
أم أن البيوت واحة للراحة والطمأنينة، ومرجع للخبرة والسؤال والنقاش، يلجأ إليها الأبناء والبنات ليتفحصوا ما شاهدوه وما سمعوه في الخارج من الشبهات، ويميزوا صحيحها من سقيمها، ويكتسبون الخبرة في التعامل معها؟
للبيت أيها المسلم دوران أساسيان في مواجهة هذه الظاهرة:
–الدور الأول: دور وقائي، يتمثل بتزويد الأبناء والبنات بالثقافة الدينية والعلم والخلق اللازم لمواجهة تلك الشهوات والشبهات وحماية النشء منها.
–الدور الثاني: دور ترميمي، يستكشف ما تتركه هذه الظواهر السلبية من آثار في نفوس الأبناء والبنات، ويهدف إلى معرفة التساؤلات التي تدور في أذهانهم، والهموم التي يحملونها، ثم معالجة كل ذلك.
ونستطيع أيها الأباء والأمهات أن نقوم بالدورين معاً بأسلوب في بيوتنا عن طريق فتح الأبواب للحديث والنقاش مع الأبناء والبنات، مع التحلي بالإنصات لهم، والاستماع لمشاكلهم، وتطميناتهم وعدم تخويفهم، ودلالتهم على طرق الخير.
باختصار: الدور أن نجعل البيوت واحات طمأنينة… يستطيع الابن أو البنت أن يبوحا فيها بالأسرار والهموم، ويجدان عندنا الحلول والخبرات، وهذا يبني شخصياتهم ويقويها.
وهذا الدور يتطلب أماً وأباً واعيين، ويتطلب جواً مطمئناً بعيداً عن التشاحن والصراعات، ولا يمكن أن يتأتى بأب مشغول بنفسه وأصحابه ومتعه، وأم مشغولة بنفسها وصاحباتها ومتعها.
وإنها لأمانة عظمى سوف نسأل عنها أمام الله، ونسأل الله عز وجل أن يعيننا عليها.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: “كُلُّكُم راعٍ ومَسؤولٌ عن رَعيَّتِه؛… والرَّجُلُ في أهلِه راعٍ وهو مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه، والمَرأةُ في بَيتِ زَوجِها راعيةٌ وهي مَسؤولةٌ عن رَعيَّتِها، …..”البخاري ومسلم.
مسؤولية حماية النشء وإعدادهم؟
أيها الآباء والأمهات: إن النشء أمانة كبرى في أعناقنا، وإنهم عدتنا وعدة هذا المجتمع. وعلينا أن نبذل الجهد الكبير:
أولاً: في التعلم، والقراءة، والتدرب على كيفية التعامل مع مشاكل الأبناء، هي أمانة لا بد أن نعد أنفسنا لها أولاً.
ثانياً: ندرب أنفسنا على الهدوء، وعلى فتح الأبواب للنقاش، وعلى الاستماع للأبناء، ومعرفة مشاكلهم، وتوجيه النصح السديد لهم.
-ليس من الصحيح أن يعنَّف الأبناء دائماً، أو أن يقارن وقتهم بوقتنا حين كنا في أعمارهم، أو أن نمدح أجيالنا وشبابنا ونذمهم، ليس هذا صحيحاً، وليس هذا مقبلاً بقلوب الأبناء إلى الاستماع إلينا.
-الصحيح أن نفتح لهم الأبواب ليتحدثوا ويتكلموا ونعرف مشاكلهم.
-ولنعلم… ولنعلم أن الأبناء عدة للدنيا؛ فهم من سيبنون المجتمع في المستقبل القريب، وعدة في الآخرة؛ فالولد الصالح من العمل الذي لا ينقطع بعد الموت، والولد الصالح ذخيرة في الأجر عند الله عز وجل.
قال رسول الله ﷺ: “إذا ماتَ الإنسانُ انقَطَعَ عنه عَمَلُه إلَّا مِن ثَلاثةٍ: إلَّا مِن صَدَقةٍ جاريةٍ، أو عِلمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولَدٍ صالِحٍ يَدعو له”رواه مسلم.