الثقل في الأصل يكون للأجسام ، ولكنه يستخدم للمعاني ، والقول الثقيل يقصد به القرآن الكريم ، والثقل هو لجلالة قدره وعظم شأنه ، أو وصف للعمل به ، وللعلماء اجتهادات طيبة في بيان معنى الثقل .
ما المراد بالقول الثقيل في القرآن؟
يقول فضيلة الشيخ أحمد الشرباصي من علماء الأزهر ـ رحمه الله :
يقول الله ـ تبارك وتعالى ـ: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيْلًا)المزمل5، المراد بالقول الثقيل هنا هو القرآن المَجيد. قال الحسن وقتادة: “أي العمل به”. وقيل: “ثَقِيل وقت نُزُوله من عظمته”.
-عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : سألت النبيَّ ـ ﷺ ـ فقلت يا رسولَ اللهِ هل تحسُّ بالوحيِ قال: “نعم أسمعُ صلصلةً ثم أسكتُ عندَ ذلك فما من مرةٍ يُوحَى إليَّ إلا ظننتُ أن نفسِيَ تُقبضُ”أحمد،الترمذي.
-وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ الحارثَ بنَ هشامٍ سألَ رسولَ اللَّهِ ـ ﷺ ـ، كيفَ يأتيكَ الوحيُ ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : أحيانًا يأتيني فِي مثلِ صلصلةِ الجرَسِ ، وَهوَ أشدُّهُ عليَّ ، فيَفصِمُ عنِّي ، وقد وَعَيتُ ما قالَ ؛ وأحيانًا يتمثَّلُ ليَ الملَكُ رجلًا ، فيُكَلِّمُني فأعي ما يقولُ”النسائي،البخاري.
-قالت عائشة: “قالت عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها: ولَقد رَأيتُه يَنزِلُ عليه الوحيُ في اليَومِ الشَّديدِ البَردِ، فيَفصِمُ عَنه وإنَّ جَبينَه لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا”البخاري،مسلم.
-وقالت عائشة: “إنْ كان لَيُوحى إلى رسولِ اللهِ ـ ﷺ ـ وهو على راحلَتِه، فتَضرِبُ بجِرانِها”أحمد،الحاكم ( والْجِران باطن العنق ) والمعنى: أنها تثبت في مَكانها، فما تَستطيع أن تَتَحرك حتى يُسَرَّي عنه”.
واختار ابن جرير أنه ثَقيل من الوجهين معًا، كما قال عبد الرحمن بن زيد: “كما ثَقُلَ في الدنيا ثَقُلَ يوم القيامة في المَوازين.
ما هي معاني القول الثقيل في القرآن؟
أورد الإمام فخر الدين محمد بن ضياء الدين عمر الرازي المشهور بخطيب الرَّي وحَبْرِها في تفسير هذه الآية وقد بلغتُ عَشرة:
الأول: وهو المُختار عنده أن المراد من كونه ثقيلاً عِظَمُ قَدْرُه وجلالة خطره، وكل شيء نَفُس وعَظُمَ خطره فهو ثقيل، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء: “قولاً ثقيلًا يعني كلامًا عظيمًا.
ووَجْهُ النَّظم أنه ـ تعالى ـ لمَّا أمره بصلاة الليل فكأنه قال: “إنما أمرتك بصلاة الليل؛ لأنَّا سَنُلقي عليك قولاً عظيمًا، فلا بُدَّ أن تَسعى في صَيرورة نفسك مُستعدة لذلك القول العظيم، ولا يَحصل ذلك الاستعداد إلا بصلاة الليل، فإن الإنسان في الليلة الظلماء إذا اشتغل بعبادة الله ـ تعالى ـ وأقبل على ذكره والثناء عليه، والتضرع بين يديه، ولم يكن هناك شيء من الشواغل الحسية والعوائِق الجُسمانية استعدت النفس هنالك لإشراق جَلال الله فيها، وتهيأت للتجَرد التام والانكشاف الأعظم بحسب الطاقة البشرية، فلما كان لصلاة الليل أثر في صورة النفس مستعدة لهذا المعنى ـ لا جَرَم ـ قال: “إني أمرتك بصلاة الليل؛ لأنا سَنُلْقِي عليك قولًا ثقيلاً”، فَصَيِّر نفسك مُستعدة لِقَبُول ذلك المعنى”.
وتمام هذا المعنى ما قاله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: “إنَّ لِرَبِّكُم في أيَّام دهركم نفحاتٍ، ألا فتعرضوا لها”.
الثاني: قالوا المُراد بالقول الثقيل القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المُكَلَّفِينَ عامةً، وعلى رسول الله خاصةً؛ لأنه يتحملها بنفسه، ويُبَلِّغُها إلى أُمَّته. وحاصله أن ثِقَله راجع إلى ثِقَل العمل به، فإنه لا معنى للتكليف إلا إلزام ما في فعله كَلَفَةٌ ومَشَقَّةٌ.
الثالث: رُوِي أنه ثَقِيلٌ في الميزان يوم القيامة، وهو إشارة إلى كثرة مَنافعه، وكثرة الثواب في العمل به.
الرابع: المراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يَثقل عند نُزول الوحي إليه. رُوي أن الوحي نَزل عليه وهو على ناقته فَثَقُلَ عليها حتى وَضَعَتْ جِرَانها (بطن عنقها) فلم تَسْتَطع أن تتحرك.
وعن ابن عباس: “كان إذا نزل عليه الوحي ثَقُلَ عليه، وتَرَبَّدَ وجهه”.
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ: “رأيتُه ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيَفْصم عنه وإن جبينه ليَرْفَضُّ عَرَقًا”.
الخامس: قال الفراء : “قولاً ثقيلًا، أي ليس بالخفيف ولا بالسَّفْاَف؛ لأنه كلام الله ربِّنا ـ تبارك وتعالى ـ”.
السادس: قال الزَّجاج: “معناه أنه قول مَتين في صحته وبيانه ونفعه، كما تقول: “هذا كلام رَزِين. وهذا قول له وزن”إذا كنت تَستجِيده، وتعلم أنه قد وقع مَوقع الحِكمة والبيان”.
السابع: قال أبوعليٍّ الفارسي: “إنه ثَقيل على المُنافقين، من حيث إنه يَهتك أسرارهم، ومن حيث إنه يُبطل أديانهم وأقوالهم”.
الثامن: الثقيل من شأنه أن يَبْقى في مكانه ولا يَزول، فجعل الثقيل كِنَايَة عن بَقَاء القرآن على وجْه الدهر، كما قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9).
التاسع: أنه ثقيل بمعنى أن العقل الواحد لا يَفي بإدراك فوائده ومعانيه بالكلية، فالمُتكلمون غاصوا في بِحار مَعقولاته، والفقهاء أقبلوا على البَحث عن أحكامه، وكذا أهل اللُّغة والنحو وأرباب المعاني، ثم لا يَزال كل مُتأخر يَفوز منه بفوائد ما وصل إليها المُتقدمون، فعَلِمْنَا أن الإنسان الواحد لا يَقوى على الاستقلال بِحَمله، فصار كالحِمْل الثقيل الذي يَعجز الخلق عن حَمْلِه.
العاشر: أنه ثقيل لِكَونه مُشْتملاً على المُحْكم والمُتَشَابه، والنَّاسِخ والمَنْسُوخ، والفرق بين هذه الأقسام مِمَّا لا يَقدر عليه إلا العلماء الرَّاسِخون المُحِيطُون بجميع العلوم العقلية والنَّقلية والحُكْمية، فلما كان كذلك ـ لا جَرَمَ ـ كانت الإحاطة به ثَقِيلة على أكثر الخلق.