يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

لا شك أن حادثة الهجرة النبوية حادثة عظيمة غيرت مجرى التاريخ؛ نصر الله سبحانه وتعالى بها دينه، وأعز نبيه وأصحابه، وأظهر لهم دينهم، وأقام لهم بها دولتهم في المدينة النبوية الشريفة.

وحادثة الهجرة لعظمتها أرّخ بها المسلمون، وأرّخ بها الصحابي الجليل عمر الملهم المسدد رضي الله عنه وأرضاه.

لماذا يهتم المسلم بالتاريخ الهجري؟

من اعتزاز المسلم بدينه أن يهتم بالتاريخ الهجري الذي جعله الله سبحانه وتعالى تاريخًا لأمة الإسلام، وألا يهمل هذا التاريخ ولا ينساه؛ فبعض المسلمين اليوم لا يعرف من الأشهر الهجرية إلا رمضان، أو إلا شوال، أو إلا ذو الحجة، ولا يدري عن بقية الشهور شيئًا. وقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ )البقرة189.

عدد النساء تُحسب بالأشهر الهجرية، وحساب المسلمين يقوم على الأشهر الهجرية، أما إهمال المسلمين لها فهذا نوع من التراجع عن التمسك بالدين والاعتزاز بالهوية الإسلامية، حتى صار كثير من المسلمين تبعًا لغيره من الأمم، بل شابههم حتى في لباسه، وفي هيئته، وفي شعره، وفي نظام حياته، ونسي هويته الإسلامية.

من دروس الهجرة النبوية العظيمة؟

أولا – الصبر على الأذى في الدعوة إلى الله:
أن النبي لما دعا قومه إلى الله عز وجل بالتي هي أحسن، لما دعاهم بالحكمة، لما كان نذيرًا لهم وبشيرًا؛ بشرهم إن أطاعوا الله عز وجل ورسوله بعز الدنيا وفلاح الآخرة، وإن هم كفروا حذرهم عقوبة الله. ولكنه أُوذي أشد الإيذاء هو وأصحابه، وصبر على ذلك سنين متواصلة حتى بلغت ثلاث عشرة سنة وهو صابر محتسب، حتى بلغ بهم التآمر أن قرروا قتله ، فأحاطوا ببيته وجهزوا سلاحهم، فأخرجه الله عز وجل من بين أظهرهم رغم أنوفهم، وأعز الله دينه ونبيه وأولياءه المؤمنين.

يقول الله عز وجل: ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )الأنفال30. والله عز وجل يجعل لأوليائه فرجًا ومخرجًا، إذا ضاقت بهم الأحوال، وأحاطت بهم الأهوال، فإن الله عز وجل ينجيهم سبحانه وتعالى وهو وليهم وناصرهم سبحانه وتعالى.

ثانيا – التضحية في سبيل الله:

من الدروس العظيمة في الهجرة أن النبي استجاب لأمر ربه، وترك كل شيء وراءه، وضحى بكل شيء. الرسول لما خرج من مكة التفت إليها وقال: “واللَّهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّهِ وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إليَّ ولولا أن أَهْلَكِ أخرَجوني منكِ ما خَرجتُ”ابن ماجة،أحمد. ضحى النبي لما جاءه الأمر من الله أن يخرج من بلاده ومن وطنه ومن بين أهله وأقربائه وبني عمه، فخرج النبي سمعًا وطاعة لأمر الله، وهكذا خرج معه أصحابه؛ أبو بكر الصديق رضي الله عنه، تاجر قريش، خرج مع النبي عليه الصلاة والسلام.

وصهيب الرومي، وكان يسمى رومي وهو عربي وليس برومي، .فعن عبدالرحمن بن مل النهدي قال: إنَّ صُهَيبًا حين أراد الهِجرَةَ إلى المدينةِ قال له كُفَّارُ قُرَيشٍ: أتَيتَنا صُعلوكًا فكثُر مالُكَ عِندَنا وبلَغتَ ما بلَغتَ ، ثم تُريدُ أنْ تَخرُجَ بنَفْسِكَ ومالِكَ ، واللهِ لا يكونُ ذلك ، فقال لهم: أرأيتُم إنْ أعطَيتُكم مالي أتُخَلُّونَ سَبيلي ؟ فقالوا: نَعَمْ ، فقال: أُشهِدُكم أنِّي قد جعَلتُ لكم مالي ، فبلَغ ذلك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: رَبِحَ صُهَيبٌ رَبِحَ صُهَيبٌ”أحمد،ابن حبان. أعطاهم حطام الدنيا، وفاز برضا الله وبفضل منه سبحانه وتعالى وهو الهجرة.

قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )البقرة218. ومن أسباب الرحمة الهجرة إلى الله عز وجل إذا اضطر إليها الإنسان ومُنع من إقامة دينه، فإن هذا ترك لما يحب الله سبحانه وتعالى ويرضى.

ثالثا – الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله:

في الهجرة التوكل على الله بعد بذل الأسباب؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام بذل الأسباب في هجرته، فما خرج بلا زاد ولا راحلة ولا معرفة بالطريق، بل خطط للهجرة هو وصاحبه أبو بكر، وأعد له أبو بكر راحلتين يعلفهما ويجهزهما للرحلة.

ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد الهجرة ما سلك الطريق المعروف الذي يخرج به من أراد المدينة إلى الشمال، بل عكس الطريق وذهب إلى غار ثور، واختفى فيه ثلاثة أيام حتى ينقطع الطلب عنه، فيبحثون عنه في طريق المدينة ولا يجدونه. وهذا من الذكاء والتخطيط في محاربة أعداء الله عز وجل، فالمسلم لا بد له من ذلك؛ إذ أمره الله أن يأخذ بالأسباب مع التوكل عليه.

وفي الغار:

لما وقف المشركون عند باب الغار، قال أبو بكر الصديق قلتُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونحن في الغارِ لو أنَّ أحدَهم ينظرُ إلى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنا تحتَ قَدَمَيْهِ فقال “يا أبا بكرٍ ما ظَنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهُما”البخاري،مسلم .قال تعالى: ( إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )التوبة:40.

الهجرة باقية إلى يوم القيامة؟

الهجرة لا تنقطع؛ قال فيما رواه الشيخان: “المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لسانِه ويَدِه، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللهُ عنه”. فهذه هجرة معنوية، ليست بالبدن ولا بالانتقال من مكان إلى مكان، وإنما هو يهجر ما حرّم الله:
-فيهجر المرء الشرك والكفر بأنواعه طاعة لله.
-يهجر المعاصي طاعة لله.
– يهجر أماكن اللغو المحرم وأماكن العزف والبلاء يهجرها لله.
-يهجر أماكن الفسق والفجور، فيحمي بذلك دينه ويحمي سمعه وبصره ويحمي قلبه عن موارد الحرام.

وهذه الهجرة لا تنقطع، بل تبقى إلى ممات الإنسان.

المطلوب منه يهجر ما حرم الله، قال تعالى:(وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ )المدثر5، والرجز هو الأصنام والأوثان والمحرمات والموبقات، فمن ابتعد عما حرم الله عز وجل كان من المهاجرين إليه سبحانه وتعالى، وهذه الهجرة العظيمة لا تفارق الإنسان المؤمن حتى يخرج من الدنيا.

محاسبة النفس مع دخول العام الجديد؟

في دخول العام الهجري الجديد، ينبغي للمسلم أن يجدد إيمانه ويجدد توبته ويجدد عمله الصالح، وأن يتذكر أن عام مر عليه، مضى من عمره، فيسأل نفسه:
-ماذا قدمت لله؟
-وماذا أعددت للقاء الله؟
-وماذا ادخرت عنده سبحانه وتعالى في هذا العام؟

اثنا عشر شهرًا مرت عليك، حاسب نفسك على أعمالك، حاسب نفسك على أقوالك، حاسب نفسك على ما اقترفت، والملائكة كل يوم تصعد بالصحف إلى ربها ماذا قلت ماذا عملت ماذا اقترفت بما كُتب وقيل وعُمل، والمؤمن دائمًا يراقب الله ويحاسب نفسه فيفلح، كالتاجر الحاذق الذكي دلئما ينظر دومًا في مكاسبه ومخاسره؛ ماذا ربح وماذا خسر؟ وإلا كانت تجارته كاسدة.