نهانا رسول الله عن الأذى أيا كان نوعه بالقول كان أو بالفعل فقال: “مَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤذِ جارَه”البخاري ومسلم.

وعلى هذا فمن كانت ثيابه متسخة أو رائحته كريهة بحيث يتأذى منه المصلون، فلا يجوز له أن يدخل المسجد حتى يأخذ زينته، والنهي للكراهة وليس للتحريم، وقد أمرنا الله تعالى في كتابه فقال سبحانه: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ )الأعراف/31.

الآيات والأحاديث التي تحث على النظافة؟

يقول فضيلة الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة -أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين-:
إن الإسلام دين النظافة، ويظهر ذلك واضحاً جلياً في كثير من النصوص الشرعية التي تحث على النظافة والطهارة والتطيب، وإزالة ما يجب إزالته من الروائح الكريهة أو ما يؤدي إليها، فالمسلم يتوضأ في اليوم عدة مرات ليصلي، ومطلوب منه أن يستعمل السواك عدة مرات أو ما يقوم مقام السواك من فرشاة أسنان ومعجون، ومطلوب من المسلم الاغتسال مرة في الأسبوع على أقل تقدير .
وقد حثَّ الإسلام المسلمين على الطهارة والنظافة في البدن والثياب عند حضور مجامع المسلمين، كصلاة الجماعة والجمعة والعيدين وغيرها، وهذه بعض النصوص الشرعية التي تؤكد على هذه الحقيقة:
-يقول الله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا )المائدة/6 .
-ويقول الله تعالى :( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ )المدثر/1-4 .

-وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله : ( إذا جاءَ أحَدُكُمُ الجُمُعةَ فليَغتَسِلْ ) رواه البخاري ومسلم .

-وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي قال: ( الغُسلُ يَومَ الجُمُعةِ واجِبٌ على كُلِّ مُحتَلِمٍ-أي بالغ- وأن يَستَنَّ، وأن يَمَسَّ طيبًا إن وجَدَ ) رواه البخاري ومسلم .

-وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله : ( حَقٌّ على كُلِّ مُسلِمٍ أن يَغتَسِلَ في كُلِّ سَبعةِ أيَّامٍ يَومًا يَغسِلُ فيه رَأسَه وجَسَدَه ) رواه البخاري ومسلم .

-وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله :( لَولا أن أشُقَّ على أُمَّتي -أو على النَّاسِ- لَأمَرتُهم بالسِّواكِ مع كُلِّ صَلاةٍ ) رواه البخاري ومسلم .

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي قال: “من اغتَسلَ يومَ الجمُعةِ ولبسَ مِن أحسَنِ ثيابِهِ ، ومَسَّ مِن طيبٍ إن كانَ عندَهُ”رواه أحمد والطبراني.

وكذلك فإن من السنة أن يتطيب المسلم عند ذهابه إلى المسجد لصلاة الجمعة ولغيرها فقد جاء في الحديث عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “لا يغتسلُ رجلٌ يومَ الجُمُعةِ ، ويتطهرُ ما استطاع من الطُّهْرِ ، ويَدَّهِنُ من دُهْنِه ، أو يَمَسُّ من طِيبِ بيتِه . ثم يخرجُ ، فلا يُفَرِّقُ بين اثنينِ ، ثم يُصَلِّي ما كُتِبَ له . ثم يُنْصِتُ إذا تكلم الإمامُ إلا غُفِرَ له ما بينه وبين الجُمُعةِ الأخرى”رواه البخاري .

وعن أبو الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله يقول : “من اغتَسلَ يومَ الجمعةِ ثمَّ لبِسَ من أحسنِ ثيابِهِ ومسَّ طيبًا إن كانَ عندَهُ ثمَّ مشى إلى الجُمعةِ وعليهِ السَّكينةَ ولم يتَخطَّ أحدًا ولم يؤذِهْ ثمَّ ركَعَ ما قَضي لَهُ ثمَّ انتظرَ حتَّى يَنصَرِفَ الإمامُ غُفِرَ لَهُ ما بينَ الجمعتينِ”رواه أحمد والطبراني .

وغير ذلك من النصوص التي تحث المسلم وتوجب عليه الطهارة والنظافة بشكل عام وفي يوم الجمعة بشكل خاص نظراً لاجتماع المصلين في المسجد وحتى لا يؤذي بعضهم بعضاً بروائحهم الكريهة .

حكم الذهاب للمسجد لمن له رائحة كريهة؟

-جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها :”كان النَّاسُ يَنتابونَ يَومَ الجُمُعةِ مِن مَنازِلِهم والعَواليِّ، فيَأتونَ في الغُبارِ، يُصيبُهمُ الغُبارُ والعَرَقُ، فيَخرُجُ منهمُ العَرَقُ، فأتى رَسولَ اللهِ إنسانٌ منهم وهو عِندي، فقال النَّبيُّ : لو أنَّكُم تَطَهَّرتُم ليَومِكُم هذا”.رواه البخاري ومسلم.
-وقد حث الرسول المسلم أن يلبس ملابس نظيفة وخاصة يوم الجمعة غير ملابسه التي يلبسها لعمله خلال أيام الأسبوع فقد جاء في الحديث عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه: خطَبَ النبي النَّاسَ يومَ الجمعةِ فرأى عليهِم ثِيابَ النِّمارِ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ما علَى أحدِكُم إن وجَدَ سَعةً أن يتَّخِذَ ثوبينِ لِجُمعتِه سوى ثوبي مِهنتِه”ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان.
-كما وأن الرسول نهى من أكل بصلاً أو ثوماً عن الحضور إلى المسجد لما في ذلك من إيذاء للمصلين بالروائح الكريهة فقد ثبت في الحديث أن النبي قال : “من أكل من هاتينِ الشجرتيْنِ المُنتنتيْنِ البصلُ والكُرَّاثُ فلا يقربنَّ مسجدَنا فإنَّ الملائكةَ تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدمَ”رواه البخاري ومسلم .

-وفي رواية عند مسلم: “مَن أكَلَ مِن هذه الشَّجَرةِ -يَعني الثُّومَ- فلا يَقرَبَنَّ مَسجِدَنا”.

-وفي رواية أخرى عند أبو داود والنسائي: “مَن أَكَلَ مِن هاتينِ الشَّجَرتينِ الخَبيثَتينِ، فلا يَقربنَّ مَسجِدَنا، فإن كُنتُمْ لابُدَّ آكِليهِما، فأَميتوهُما طبخًا”.

-وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال :”ولقد كنتُ أرَى الرَّجلَ علَى عهدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ يوجَدُ ريحُهُ منهُ فيؤخَذُ بيدِهِ حتَّى يُخرَجَ إلى البقيعِ فمَن كانَ آكلُها لا بُدَّ فلْيُمتْها طبخًا”النسائي وابن ماجه وابن خزيمة.

وينبغي أن يعلم أن كل رائحة كريهة تلحق برائحة البصل والثوم فمن كانت رائحة جواربه ورجليه نتنة فينبغي له أن لا يدخل المسجد حتى يغسلهما وكذلك رائحة المدخنين الكريهة تلحق برائحة آكلي البصل والثوم وهكذا كل رائحة كريهة لأن المساجد تصان عن جميع الروائح الكريهة.

قال القرطبي: [قال العلماء: إذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يتأذى به ففي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيهاً عليهم أو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه – أي لا تفارقه – لسوء صناعته أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه وكل ما يتأذى به الناس كان لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة حتى تزول.
وكذلك يجتنب مجتمع الناس حيث كانت لصلاة أو غيرها كمجالس العلم والولائم وما أشبهها من أكل الثوم وما في معناه مما له رائحة كريهة تؤذي الناس ) تفسير القرطبي 2/267- 268.

وأخيراً نذكر ما قاله الإمام الشافعي في حق من يحضر الجمعة وغيرها :( فنحب للرجل أن يتنظف يوم الجمعة بغسل وأخذ شعر وظفر وعلاج لما يقطع تغير الريح من جميع جسده وسواك وكل ما نظفه وطيبه وأن يمس طيباً مع هذا إن قدر عليه ويستحسن من ثيابه ما قدر عليه ويلبسها عليه ويطيبها اتباعاً للسنه ولا يؤذي أحداً قاربه بحال .

وكذلك أحب له في كل عيد وآمره به وأحبه في كل صلاة جماعة وآمره به وأحبه في كل أمر جامع للناس وإن كنت له في الأعياد من الجمع وغيرها أشد استحباباً للسنة وكثرة حاضرها ) الأم 1/117 .