يرى جمهور الفقهاء أنه لا يجوز أن يخلو رجل بامرأة مطلقا ، لقول النبي : “لا يخلوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ فإنَّ الشيطانَ ثالثُهما”.

وقالوا: ولفظ الرجل في الحديث يتناول الشيخ والشاب , كما أن لفظ المرأة يتناول الشابة والمرأة كبيرة السن .

 وخالف بعض الحنيفة الجمهور ، فذهبوا  إلى جواز الخلوة بالعجوز التي لا يشتهيها الرجال، و نقل ابن عابدين عن بعض مشايخ المذهب  : العجوز الشوهاء والشيخ الذي لا يجامع مثله بمنزلة المحارم .

 وأجاز الشاذلي من المالكية خلوة الشيخ الهرم بالمرأة شابة أو متجالة( العجوز) وخلوة الشاب بالمتجالة( المرأة العجوز) .

 وضابط الخلوة اجتماع لا تؤمن معه الريبة عادة ، فتحدث معه ما هو محرم، بخلاف أن يقطع الريبة شيء، فلا يعد خلوة.

الخلوة بالأجنبية؟

نقل الإمام ابن عابدين في تنقيح الفتاوى الحامدية :
(سئل) في رجل يدخل على امرأة أجنبية ويختلي بها متعللا بأنه وكيل عنها في مصالحها ويمنعه أبوها من ذلك فهل له ذلك ولا عبرة بتعلل الرجل المذكور؟

(الجواب) : نعم قال في الأشباه من الحظر والإباحة الخلوة بالأجنبية حرام إلا لملازمة مديونة هربت ودخلت خربة , وفيما إذا كانت عجوزا شوهاء , وفيما إذ كان بينهما حائل.ا هـ راجع : تنفيح الفتاوى الحامدية لابن عابدين ، ج2/321

وقد ذكر الإمام الشوكاني في وجوب المحرم مع المرأة في السفر أن اعتبار المحرم إنما هو في حق من كانت شابة لا في حق العجوز لأنها لا تشتهى .

و السبب في خلاف الفقهاء في هذا : هل التحريم هنا لمطلق النص، وأنه لا يجوز خلوة رجل بامرأة أيا كانت ، أم أنه لأجل علة ما قد يحدث في الخلوة مما يحدث بين الجنسين من الحرام؟

فنظر الجمهور إلى النص بمفهومه المطلق، بينما نظر بعض الحنفية إلى علة التحريم ، وعليه أجازوا خلوة الشاب بالمرأة العجوز، كضابط أولا ، ثم إنها لا تشتهى كضابط آخر.

ضوابط الخلوة بالمرأة العجوز؟

الذي يترجح أنه تجوز الخلوة بالعجوز بشروط:
1-أن تكون عجوزا .
2-ألا تكون مشتهاة ، فإن كانت مشتهاة حرم  .
3-أن تكون هناك ضرورة تدعو إلى هذا .
4-أن تكون الفتنة مأمونة من الجانبين بين الرجل والمرأة .

ومما يؤكد رأي بعض الحنيفة من أن علة النهي في الخلوة هو ما يخشى من الوقوع في الحرام، ما أخرجه مالك عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال والله ما لك علينا من شيء، فجاءت إلى رسول الله فذكرت ذلك له فقال ليس لك عليه نفقة وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند عبد الله بن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده .

فإن اعترض عليه بما ورد في حديث ” أفعمياوان أنتما “، فيجاب عنه بما نقله ابن حجر عن الإمام القرطبي، فقال : ” وقال القرطبي بعد أن قرر أن أمر سودة بالاحتجاب للاحتياط وتوقي الشبهات : ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حق أمهات المؤمنين كما قال ” أفعمياوان أنتما ” فنهاهما عن رؤية الأعمى مع قوله لفاطمة بنت قيس ” اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه أعمى ” فغلظ الحجاب في حقهن دون غيرهن” فتح الباري، ج19/147

و مما يرجح أيضا جواز خلوة الشاب بالعجوز:

-أن الصحابة ،وهم أفهم الناس لمراد الرسول ، كانت لبعضهم خلوة بالعجائز.

-من ذلك ما ورد أن عمر كان يتعاهد الأرامل فيستقي لهن الماء بالليل ، ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة ، فدخل إليها طلحة نهارا ، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة ، فسألها : ما يصنع هذا الرجل عندك ؟ قالت: هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى ، فقال طلحة: ثكلتك أمك طلحة ، عثرات عمر تتبع ؟ أبو نعيم في ” الحلية ” 1/47 – 48

-وورد أن أبا وائل يطوف على نساء الحي وعجائزهم كل يوم ، فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن . أخرجه : أبو نعيم في ” الحلية ” 3/285 – 286

هل تجوز الخلوة مع كل عجوز؟

يجب أن توضع النصوص الشرعية مكانها، فلا يخلو شاب بامرأة كبيرة السن، وهي ليست عجوزا، أو كبيرة مشتهاة ، ويدلل بما فعله عمر، أو بأمر النبي لفاطمة بنت قيس أن تعتد عند رجل أعمى ، بل لو كان أعمى وغير مؤتمن، فلا يجوز، لأن الأعمى قد يفعل ما يشاء بالمرأة.

والخلاصة: أن الأصل حرمة الخلوة، ولكن تجوز في حالات استثنائية بشروط، منها أن تكون المرأة عجوزا، غير مشتهاة ، وهناك ضرورة داعية لذلك، كما أن هناك أمنا للفتنة .