يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
خلق الله تعالى خلقه لتوحيده وعبادته وطاعته، قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) الذاريات/56-58.
الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقنا، وهو الذي يرزقنا، وهو الذي يحيينا، وهو الذي يميتنا، له الأمر كله، سبحانه وتعالى، أوله وآخره، وعلا نيته وسره. لا تتعلق أيها المسلم بغير الله، ولا تتوكل على غير الله، إياك وأعمال الجاهلية.
ما هو التطير والتشاؤم؟
من أعمال الجاهلية التي حذرنا الله تعالى منها، وحذرنا منها رسوله ﷺ: التطير، والتشاؤم.
ولقد كانت الأمم الجاهلية والعرب كذلك تتطير بالطيور أو ببعض أنواعها، إذا أراد أحدهم حاجة وسار في طريقه فطار طير عن يمينه تفاءل، وإذا طار عن شماله تشاءم، وربما رجع عن سفره أو رجع عن حاجته.
التطير عادة قديمة ذكرها الله عز وجل عن الفراعنة قال تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ)، قال الله عز وجل: (أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) الأعراف/131.
تشاؤمهم بمن؟ تشاؤمهم بالرسل، كما قالت ثمود لصالح قال تعالى: (اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ)، قال تعالى: (طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) النمل/47.
تتطيرون بالأنبياء الصالحين؟ وفي الحقيقة أنهم لما عصوا الرسل أصابتهم سيئات أعمالهم، قالوا: هذا بسبب النبي، وهو في الحقيقة بسبب معصية النبي، وبسبب معصية الرب سبحانه وتعالى.
ما هي أسباب ومتعلقات التطير؟
التطير له أسباب كثيرة وله متعلقات كثيرة، بعض الناس يتطير بالأرقام كالنصارى.
–النصارى يتشاءمون من رقم 13، لا يوجد عندهم في المستشفيات جناح رقم 13 ولا في الفنادق، لماذا؟ قالوا: لأن التلميذ الخائن لعيسى عليه السلام الذي دل الأعداء عليه واليهود هو الثالث عشر من تلاميذه.
-العرب كانوا يتشاءمون بشهر صفر وبشهر شوال، لا يسافرون ولا يتزوجون في هذين الشهرين، خالفهم النبي ﷺ؛ تزوج أبرك النساء عائشة في شوال، وما كان يتزوج إلا في شوال، يخالف أهل الجاهلية.
قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: “لا عَدوى ، ولا طيَرةَ ، ولا صفرَ ، ولا هامَّة”البخاري ومسلم وأبو داود.
«لا عدوى»: يعني العدوى في الأمراض لا تعدي بنفسها وإنما بتقدير الله، قد تخالط المريض ولا يصيبك شيء، وقد يأتيك المرض بلا مخالطة.
«ولا طيرة»: لا تتطير، لا بالطيور ولا بغيرها.
«ولا هامة»: الهامة قيل: طائر كان إذا رأه بعض العرب تشاءموا، وقيل: هو البوم، وقيل: الغراب. إذا رأى الغراب، واليوم هذه عادة موجودة عند الغرب وغيرهم، يتشاءمون بالغربان. والعرب إذا رأوا البوم على البيت قالوا: ها، تنعى إليّ نفسي أنا سأموت! يتشاءمون بالطيور.
«ولا صفر»: يقول ﷺ: “لا تتشاءموا بشهر صفر”.
وقال عليه الصلاة والسلام: “ليس منا من تطيَّرَ أو تُطيِّر له”؛ إذا جاء إنسان قال: أنا رأيت كذا، انتبه..إحذر لا تذهب، لا تسافر، لا تتزوج.. مجرد تشاؤم!
“أو تَكَهَّن أو تُكهِّن له أو سَحَر أو سُحِر له”، انتبه ياعبد الله! الرسول ﷺ يتبرأ.
اسمعي يا أيتها المرأة، إن كنت حاقدة على زوجك، أو على أهلك، أو على من تريدين.. إياك والذهاب إلى السحرة! الرسول ﷺ يقول: “ليس منا من تطيَّرَ أو تُطيِّر له أو تَكَهَّن أو تُكهِّن له أو سَحَر أو سُحِر له”؛ يذهب إلى الكاهن يسأل يقول: شوف الأمر، الغيب.. الرسول يتبرأ من هؤلاء! «أو عقد أو عقد له»؛ يذهب إلى السواحر فيعقد له في الخيوط.. هؤلاء كلهم النبي ﷺ بريء منهم.
وقال ﷺ في حديث أحمد: “مَنْ ردَّتْهُ الطِيَرَةُ عن حاجتِهِ فقدْ أشرَكَ”، لو ذهب إنسان إلى حاجة ورأى شيئاً يكرهه في الطريق قال: هذا نذير شؤم، هذا دليل على أن الأمر لا يتم، فيرجع! يقول ﷺ: “مَنْ ردَّتْهُ الطِيَرَةُ عن حاجتِهِ فقدْ أشرَكَ قالوا : يا رسولَ الله وما كفارَةُ ذلِكَ قال يقولُ ” اللهمَّ لا طيرَ إلَّا طيرُكَ ، ولَا خيرَ إلَّا خيرُكَ ، ولَا إلهَ غيرُكَ”. الخير من عند الله، وتقدير الشر من عند الله، توكل على الله سبحانه وتعالى.
ما هي محاذير التطير وآثاره؟
التطير فيه عدة أمور محرمة:
1- نسبة الشر وفعل الشر إلى غير الله، لا أحد يقدر الخير والشر إلا الله، لا طير ولا غراب ولا غيره، انتبه! ولا شهر ولا وقت ولا زمان، كله يجري بأمر الله عز وجل.
الطيرة فيها نسبة هذا الفعل إلى غير الله وهذا شرك، انتبه أيها المسلم! إذا نسبت الفعل إلى المخلوق، هذا شرك بالله عز وجل، الله عز وجل خالق كل شيء.
2-الطيرة فيها سوء ظن بالله، أحسن الظن بالله عز وجل، إياك وسوء الظن بالرب سبحانه وتعالى.
3-الطيرة تخالف التوكل على الله، وهي عبادة عظيمة يا عباد الله.
4-الطيرة فيها استدلال على الأمور الغيبية، كان الإنسان يقول: أنا عرفت الغيب! كيف عرفت الغيب؟ قال: حصل كذا حتى لا أسافر، حصل كذا حتى لا أتزوج.. وهذا كما قلنا سوء ظن بالله سبحانه وتعالى.
ما هو الهدي النبوي الواجب اتباعه؟
النبي ﷺ كان يحب التفاؤل، ويقول: هذا دليل على أن هذا خير، يتفاءل ويحسن الظن بالله عز وجل.
في غزوة الحديبية جاء سهيل بن عمرو ليتم الصلح مع المسلمين، قال: من جاء؟ قالوا: سهيل بن عمرو، قال: “سهل الله لكم أمركم”، تفاءل بالاسم.
هذا هدي النبي ﷺ: إحسان الظن بالله عز وجل.
خاتمة: الأمر الواجب لا تتركه للصعوبات؛ مثل ما يقال على وجه الطرفة: إنسان أراد أن يتوب إلى الله عز وجل فجاء إلى المسجد في غير وقت الصلاة فوجده مغلقاً، قال: خلاص الله ما يريدني أن أتوب! لو كان الله يريدني أن أتوب لكان المسجد مفتوحاً!
لا يجوز للإنسان أن يترك الأمور الواجبة للصعوبات، عليه أن يقاوم وأن يجاهد وأن يستعين بالله سبحانه وتعالى، وأن يسأل الله عز وجل تيسير الأمور، لأن الأمر كله بید الله جل جلاله وتقدست أسماؤه.