يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
إن من الأمور التي باتت تهدد المجتمعات، وتنذر بخطر وخيم؛ مسألة الاقتراض والديون، والإسراف في هذا الباب، الذي ينتهي بكثير من أصحابه إلى الحبس والسجن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
-ما هو حكم الشرع في القرض والاقتراض؟
-وما هي الآداب والأحكام الواردة في هذا؟
-ما هو خطر التساهل في الديون؟
هي مسائل تطول، ولكن حسبنا أن نذكر ببعضها؛ لعل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها.
أولاً: الاقتراض عند الحاجة وعند الضرورة أمر مباح، بل إن النبي ﷺ اقترض غير ما مرة، اقترض النبي ﷺ بكراً ورده إلى صاحبه جملاً رباعياً.
النبي عليه الصلاة والسلام مات ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثة أصع من شعير ﷺ.كما جاء في الحديث “رَهَنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دِرعًا له بالمَدينةِ عِندَ يَهوديٍّ، وأخَذَ منه شَعيرًا لأهلِه”البخاري وأحمد والنسائي.
إذن الاقتراض لأجل الحاجة الملحة، كرجل يريد الزواج، أو رجل عنده بناء يريد أن يكمل بيته، أو شخص يريد أن يتعالج، أو شخص يريد أن يشتري سيارة له ولأسرته، هذه أمور ملحة لا بأس بها.
ثانيا: لابد من الحذر من الإسراف في الاقتراض للكماليات ولمجرد الزينة والزخرف والفخفخة، أو طلب الفخامة، أو مجاراة الموديلات، أو “هذا موديل السنة” لأصحاب مثلاً السيارات أو غيرها. احذر أيها المسلم، احذر من الإسراف في هذا الباب. وبعض الناس يكون عليه دين مرهق، ومع ذلك يسعى في طلب دين جديد وهو لما يتم سداد الدين الأول! وربما انتهى ذلك كما وقلنا بدمار له ولأسرته وتشتت عياله؛ بسبب البعد عن حسن التفكير ومراعاة حقوق الناس وأموالهم.
ثالثاً: من اقترض يجب أن تكون في نيته السداد. احذر أن تأخذ أموال الناس بقصد عدم الإرجاع، بعض الناس يتمسكن ويأتي مظهراً للحاجة الملحة حتى إذا اقترض وحان وقت السداد اختفى عن الأنظار! بعض الناس جعل هذا الأمر وسيلة للكسب غير المشروع والمكر والحيلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
خطورة التهاون بحقوق العباد وخطر التساهل في الديون؟
الرسول ﷺ قال لرجل جاءه بعدما حث ﷺ على الجهاد في سبيل الله، فقال: “أنَّه قامَ فيهم، فذَكَرَ لهم أنَّ الجِهادَ في سَبيلِ اللهِ والإيمانَ باللهِ أفضَلُ الأعمالِ، فقامَ رَجُلٌ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أرَأيتَ إن قُتِلتُ في سَبيلِ اللهِ، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطايايَ؟ فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم، إن قُتِلتَ في سَبيلِ اللهِ، وأنتَ صابِرٌ مُحتَسِبٌ، مُقبِلٌ غَيرُ مُدبِرٍ، ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كيفَ قُلتَ؟ قال: أرَأيتَ إن قُتِلتُ في سَبيلِ اللهِ، أتُكَفَّرُ عَنِّي خَطايايَ؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم، وأنتَ صابِرٌ مُحتَسِبٌ، مُقبِلٌ غَيرُ مُدبِرٍ، إلَّا الدَّينَ؛ فإنَّ جِبريلَ عليه السَّلامُ قال لي ذلك”مسلم.
-حقوق الناس لا يسقطها الاستغفار، حقوق الناس لا تسقط بالتوبة، لابد من أداء الحقوق إلى أهلها، فاتق الله يا عبد الله.
-يقول ﷺ: “مَن كانَت له مَظلِمةٌ لأخيه مِن عِرضِه أو شيءٍ فليَتَحَلَّلْه منه اليَومَ، قَبلَ أن لا يَكونَ دينارٌ ولا دِرهَمٌ، إن كان له عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذَ منه بقدرِ مَظلِمَتِه، وإن لَم تَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ صاحِبِه فحُمِلَ عليه”البخاري. من كانت له مظلمة، من كانت عنده مظلمة لأخيه يذهب إليه ويتحلله منها؛ من عرض -إذا كان تكلم في عرضه أو سبَّ أو اغتاب أو شتم وتأذى بذلك أخوه- أو كان أخذ منه مالاً ولم يستطع إرجاعه؛ يذهب إليه ويتحلله من هذا المال قبل أن ينتقل إلى الدار الآخرة، والدار الآخرة ليس فيها دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات.
هذا هو المفلس الذي ذكره رسول الله ﷺ حيث قال: “أتَدرونَ ما المُفلِسُ؟ قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهَمَ له ولا مَتاعَ، فقال: إنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتي يَأتي يَومَ القيامةِ بصَلاةٍ، وصيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَك دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإن فنيَت حَسَناتُه قَبلَ أن يُقضى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهم فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ”مسلم.
أداء الأمانات وتحريم المماطلة؟
ربنا سبحانه وتعالى يوصينا فيقول: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا) النساء/58. هذه أمانة، هذا المال الذي أخذته من أخيك بقصد القرض هو أمانة، عليك أن تردها متى استطعت.
وبعض الناس عنده قدرة على السداد، قادر وغني أن يسدد ومع ذلك يماطل! يقول عليه الصلاة والسلام: “مَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ”البخاري ومسلم. انسان يماطل بالسداد وعنده قدرة؛ هذا ظالم.
يقول فيه: والحديث عند أحمد: «ليُّ الواجد» ليُّ يعني مَطْلُهُ وهو واجد، يجد، ما يسدد به “ليُّ الواجدِ يحلُّ عرضَهُ وعقوبتَهُ”.
يجوز للمظلوم أن يقول: فلان أخذ مني ألف دينار ولم يردها مثلاً، فلان يماطل لا يسدد وهو قادر. «يحل عرضه» كما «يحل عقوبته»، يجوز لك أن تشتكيه إلى القضاء فيعاقبه القاضي، حتى يرد حقوق الناس. فمطل الغني ظلم، فاحذر من ذلك يا عبد الله، أما من كان معسراً فهو معذور.
فضل إنظار المعسر والتجاوز عنه؟
قال ﷺ: “ما مِن مُسلِمٍ يُقرِضُ مسلمًا قرضًا مرَّتينِ إلَّا كانَ كصدقتِها مرَّةً”ابن ماجه وابن حبان، هذا حديث النبي ﷺ.
يعني لو أقرضت رجلاً مئة ثم مئة وهو معسر، فكأنك تصدقت بمئة دينار في سبيل الله، وإن كانت هي قرضا، لكن لك أجر عند الله عز وجل.
يقول أبو قتادة: “سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: مَن سَرَّه أن يُنجيَه اللهُ مِن كُرَبِ يَومِ القيامةِ فليُنَفِّسْ عن مُعسِرٍ، أو يَضَعْ عنه”مسلم وأحمد. ينظره، يقول: إلى يسر، من عسرك إلى يسرك، أنظرته. أو أنه يقول: وضعت عنك بعض الدين.
-حضرت رجلًا الوفاة، فخاف خوفاً شديداً من الله، فقال لأولاده: ما كنت أعمل صالحاً إلا أني كنت أداين الناس، كنت أداين الناس، فإذا جاؤوا يستوفون من معسر، قال: ليس عندي شيء، أقول: تجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا، فتجاور الله عنه. تجاوز الله عنه وأدخله جنات النعيم؛ لأنه عامل خلقه بالإحسان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ هل يضيع الإحسان عند رب العزة والجلال؟
-ربنا سبحانه وتعالى يقول: ( مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) البقرة/245، هو سبحانه وتعالى الغني، يعامل الإنسان بما يعامل به خلقه وعباده، فإذا يسر عليهم يسر الله عليه، وإذا شق على عباد الله يشق الله عليه، يعاقبه، يعذبه بما كان يعذب به الناس في الدنيا، بما يعذب به الناس الله يعذبه به في الدنيا والعياذ بالله.
الاستعاذة من غلبة الدين والأدعية المأثورة؟
الرسول عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من الدين، من الدين العظيم ومن غلبة الدين، كان ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن»، والدين همّ، همّ بالنهار أو همّ بالليل وذلّ بالنهار كما قال بعض الصالحين.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ” ألا أعلمُكَ كلامًا إذا قلتَه أذهَب اللهُ تعالى همَّكَ وقضى عنكَ دَينَكَ ؟ قُلْ إذا أصبَحتَ وإذا أمسَيتَ ؛ اللهم إني أعوذُ بكَ منَ الهمِّ والحزَنِ، وأعوذُ بكَ منَ العجزِ والكسلِ، وأعوذُ بكَ منَ الجُبنِ والبخلِ ؛ وأعوذُ بكَ مِن غلبةِ الدَّينِ وقهرِ الرجالِ”أبو داود، وفي رواية: «من ضلع الدين»، الدين الذي فيه ثقل حتى كأن الإنسان إذا مشى يعرج من شدة الثقل الذي عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله.
– عن عائشة رضي الله عنها وكان رسول الله ﷺ يقولُ في صلاتِهِ كثيرًا : “اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن المَأثمِ والمَغرمِ الدَّينِ فقيلَ لهُ : إنَّكَ تستعيذُ مِن المَغرمِ كثيرًا يا رسولَ اللهِ ؟ فقال : إنَّ الرَّجلَ إذا غرِمَ استدانَ حدَّثَ فكذَبَ وَوعدَ فأخلفَ”البخاري ومسلم وأبو داود.
وجاء رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يشكو إليه ديناً أثقله فقال: إنِّي عجزتُ عن كتابتي فأعِنِّي قال: ألا أعَلِّمُك كلماتٍ عَلَّمَنيهنَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لو كان عليك مِثلُ جَبَلٍ دَينًا أدَّاه عنك، قل: اللَّهُمَّ اكْفِني بحلالِك عن حرامِك، وأغْنِني بفَضْلِك عمَّن سِواك”الترمذي.
وقاية الإنسان من الوقوع في الديون؟
هناك أمور تحمي الإنسان من الديون وكثرتها؛
أولا: حسن التدبير للمال، لا بد أن يتعلم المسلم كيف يدبر أمر المال، الراتب إذا جاءه، الرزق إذا جاءه، ماذا يفعل بهذا المال؟ يبدأ بالأهم من المصروفات، ثم المهم، ثم الذي يكون ليس مهماً إن لم يستطع به يعرِض عنه، هذا من حسن التدبير.
ثانيا: البعد عن الإسراف، هو آفة المجتمعات اليوم، الإسراف، المبالغة في إنفاق الأموال، مجاراة الموديلات، وينبغي أن تكون الدعايات للبضائع والسلع مقننة؛ لأن كثرة الدعايات تشجع الناس على كثرة الشراء الذي قد يضر بهم، أو يضر ببعضهم من ذوي الدخل المحدود. ينبغي لك أن تكون نفقتك وسطاً كما قال الله عز وجل: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا )الفرقان/67.
لا مسرفاً مبذراً من إخوان من؟ من إخوان الشياطين، ولا مقتراً بخيلاً، أيضاً البخل مذموم، من قتر على ولده أو قتر على أهله هذا مذموم، مقصر في أداء الحقوق التي أوجبها الله تبارك وتعالى عليه.
ثالثا: البعد عن مجاراة الناس والأعراف، هناك أعراف للناس وعادات ينبغي أن تحذر هذه العادة إذا كانت تخالف الدين، ليست كل عادة حميدة، ليست كل عادة توافق الشرع، لا بد من الحذر من الإسراف مثلاً في حفلات الأعراس، بعض الناس لا بد أن يأتي بالمغنين أو يأتي بالفرقة أو يأتي بكذا، هذا مما يخالف ديننا، هذا من الإسراف الذي حرمه الله عز وجل، وبعض الناس إذا انتهى الزواج ونظر في الديون التي على ظهره كره المرأة وكره الزوجة، وربما لعن اليوم الذي تزوج فيه، بسبب ماذا؟ بسبب هذه الديون التي وقع فيها ولا يجد لها سداداً.
رابعا: ارض بما قسم الله لك، هذه من صفات المؤمنين، الرضا والقناعة، حمد الله على القليل، فعن عبيد الله بن محصن أن رسول الله ﷺ: “مَن أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ يومِهِ ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا”الترمذي وابن ماجه، ارض أيها المسلم، ارض بما قسم الله لك، أنت إذا كنت متوسط الحال لا يلزم أن تكون سيارتك مثل سيارة فلان.