يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
شهر رمضان هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن قال سبحانه وتعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ )البقرة185، في هذا الشهر ابتدأ الله عز وجل، إنزال أعظم الكتب السماويه، وأجلها قدرا، وأحفظها على الدوام، كتاب الله سبحانه وتعالى العزيز، قال سبحانه وتعالى: ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )فصلت42.
كتاب ربكم فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم، هو الفصل ليس بالهزل، كتاب لما سمعته الجن: ( قَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا )الجن2.
لا يشبع منه العلماء، ولا يمل منه الصلحاء، ولا يخلق عن كثره الرد، هذا الكتاب العظيم، أنزله الله سبحانه وتعالى على محمد ﷺ، وكان جبريل عليه الصلاه والسلام يدارس النبي ﷺ القرآن في كل ليله من رمضان، يدارسه، ويقرأ معه، ويثبت حفظه في صدره ﷺ.
ما هي خصائص القرآن الكريم؟
لهذا الكتاب العظيم خصائص لا توجد في غيره من الكتب، لا يكفي المقام لسرد كل خصائص القرآن في مادة، ومن أعظم تلك الخصائص:
-أن الله سبحانه وتعالى حفظ كتابه عن التحريف وعن التغيير والتبديل، وأما الكتب السماويه السابقه فلم يكتب لها الحفظ، ولذلك غيرت وبدلت كما أخبر الله عز وجل في كتابه أنهم يكتبون الكتاب بأيديهم قال تعالى: ( وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )آل عمران78، وكتاب الله سبحانه وتعالى محفوظ عن التحريف والتغيير والتبديل كما قال تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )الحجر9.
-كتاب الله سبحانه وتعالى فيه الهدى، فيه الهدايه، فيه النور، كما وصفه الله عز وجل: ( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ )الإسراء9، كتاب الله يهدي للتي هي أقوم، في أي شيء، ما قال الله عز وجل شيئا، وإنما جعله على إطلاقه، القرآن العظيم كتاب هداية في العقيده، كتاب هداية في العباده، كتاب هدايه في المعاملات، في البيع والشراء، والأحكام الشرعيه، في الاقتصاد.
-كتاب الله عز وجل فيه الشفاء لما في الصدور، قال تعالى: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ )الإسراء82، شفاء للصدور مما فيها من الوساوس والشكوك، شفاء للصدور من الشرك والآثام، شفاء للصدور من النفاق، فمن قام بكتاب الله عز وجل وأخذ به شفاه الله عز وجل من كل أمراض القلوب.
-وأيضا كتاب الله عز وجل فيه شفاء للأبدان، لا تخفى قصة الصحابي الذي قرأ على اللديغ الذي لدغ، قرأ عليه بسورة الفاتحه ونفث، فقام الرجل كأنما به شيء، وكان النبي ﷺ إذا آوى إلى فراشه جمع كفيه ونفث وقرأ بقل هو الله أحد والمعوذتين، فيهما شفاء عظيم للأبناء، للصدور، لكل ما ينوب المسلم، الشفاء في كتاب الله سبحانه وتعالى.
-كتاب الله سبحانه وتعالى معجز بكل أنواع الإعجاز، معجز في لفظه، ومعجز في أخباره، ومعجز في أحكامه.
-كتاب الله معجز في ألفاظه قال تعالى: ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا )الإسراء88، والله سبحانه وتعالى تحدى العرب البلغاء الفصحاء أصحاب الخطب والشعراء، هم أرباب البلاغه والأدب، العرب برعوا في هذا المجال، ولهذا كانت معجزة محمد ﷺ النبي العربي، من جنس ما يتعاطاه قومه فتحداهم الله عز وجل: ( فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ)هود13، عجزوا، قال تعالى: ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ )البقرة23، عجزوا، قال تعالى: ( فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ )الطور34، عجزوا عن هذا، الله سبحانه وتعالى تحدا يأتوا بشيء يشابه القرآن، فالقرآن معجز في ألفاظه، ولو في أقصر السور.
-كتاب الله عز وجل معجز في أحكامه، أحكامه تأتي موافقة للعدل، موافقة للرحمه، موافقة للحكمة، موافقة للمصلحة.
-كتاب الله عز وجل معجز في أخباره، أخباره كلها صدق، قال سبحانه وتعالى: ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا )الأنعام115، تمت تامة عندما نقول أعوذ بكلمات الله التامه، قال العلماء تمت كلمة ربك صدقا في الأخبار، عدلا في الأحكام، أخبار القرآن كلها صدقا، ولهذا قال الله عز وجل: ( نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ )يوسف3، هذا القرآن القصص التي فيه قصص حقيقيه ليست خيال، ما هو مثل التمثيليات والأفلام والمسرحيات خيالات وأوهام، لا، قصص حق.
ولا يذكر الله عز وجل قصة في القرآن إلا للعبرة، ما هو فقط للتسليه، إنك تسمع وتتسلى، لا، الله عز وجل يجعل في هذه القصص عبرة وعظة وموعظة يعتبر منها الناس، وتعلم فيها قدرة الله سبحانه وتعالى، وأمره النافذ.
قصة موسى عليه الصلاه والسلام تكررت عشرات المرات في القرآن، وليد صغير ينجو من قتل فرعون، فرعون أمر بقتل جميع المواليد، فينجي الله عز وجل هذا المولود، ثم يتحداه رب العالمين، فتأخذه إمراه فرعون، ويتربى في قصر فرعون، يأكل من طعامه، وينام على فراشه، الله تحداه، تريد تقتل نبي من أنبياء الله، أنا أربيه في بيتك حتى جاءته الرساله.
قصص القرآن كلها عبر ومواعظ وأحكام، يلتفت لها من يلتفت، ويغفل عنها من يغفل، فالقرآن العظيم ما فيه من الأخبار كلها صدقا، وهو مهيمن على من سبقه من الكتب، المهيمن أي مهيمنا على الكتب السابقة، يعني ما وافق القرآن فهو حق، وما خالفه فهو باطل، كل الأخبار الموجوده في التوراة والإنجيل إذا وافقت القرآن فهو حق، إذا خالفت القرآن فهو باطل مردود، إذا لم توافق ولم تخالف هو من المسكوت عنه، يجوز روايته، فهذا الكتاب مهيمن على الكتب السابقه.
من بركات القرآن الكريم؟
-إن هذا القرآن مبارك، ومعنى مبارك يعني كثير البركه، كثير البركه لمن يأخذه، لأن الله عز وجل جعل فيه البركه.
-أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، أهل القرآن يشفعون لأقربائهم يوم القيامه، أهل القرآن هم الذين يقدمون في الصلاه في المساجد، من أخذ هذا القرآن رفعه الله، ليس فقط في القراءه، الأمه التي تأخذ بالقرآن لا تهزم، ولا يتسلط عليها الأعداء، لكن أمتنا لما ضعفت عن الأخذ بالقرآن وأحكام القرآن تسلط عليها الأعداء، وضعفت، وتفككت، واختلفت، وتفرقت، بسبب البعد عن كتاب الله عز وجل.
-القرآن شافع مشفع لصاحبه يوم القيامه، كما جاء في الحديث الذي رواه عبدالله بن عمرو عن النبي ﷺ: “الصيامُ والقرآنُ يشفعانِ للعبدِ يومَ القيامَةِ ، يقولُ الصيامُ : أي ربِّ إِنَّي منعْتُهُ الطعامَ والشهواتِ بالنهارِ فشفِّعْنِي فيه ، يقولُ القرآنُ ربِّ منعتُهُ النومَ بالليلِ فشفعني فيه ، فيَشْفَعانِ”أحمد،الحاكم.
-خير هذه الأمه هم أهل القرآن، قال ﷺ في حديث عثمان المتفق عليه “خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ” خيركم من تعلم القرآن فعلمه وعلمه، ولا تصح الصلاة إلا بالقرآن.
-الكتاب الوحيد الذي تؤجر على كل حرف عشر حسنات هو القرآن، قال ﷺ:”من قرأ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها لا أقولُ (الـم) حرفٌ ولكنْ (ألفٌ) حرفٌ و(لامٌ) حرفٌ و(ميمٌ) حرفٌ”الترمذي، الم 30 حسنه، ملايين الحسنات إذا ختمت القرآن، إذا قرأت القرآن، وختمته فزت بملايين الحسنات عند الله سبحانه وتعالى رب العالمين.
-القرآن له تأثير قوي على القلوب قال تعالى: ( أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )الرعد28، تتنزل السكينه إذا قرأت القرآن يقول النبي ﷺ: “ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللهِ ، يتلون كتابَ اللهِ ، و يتدارسونه بينهم ، إلا نزلتْ عليهم السَّكينةُ : وغَشِيَتْهم الرحمةُ ، و حفَّتهم الملائكةُ ، و ذكرهم اللهُ فيمن عندَه”مسلم،ابن ماجه،أحمد.
اللهم اجعلنا من أهل القرآن، اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا رحيم يا رحمن.