إذا كان القتل عمدا فلايجوز دفع دية القاتل العمد من الزكاة،ليفدي نفسه من القصاص الواجب عليه لزومًا بإلزام الله تعالى،إذ قال سبحانه في كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)البقرة/178، فالقصاص من القاتل المتعمد فريضة مكتوبة من الله تعالى،مثل الصيام الذي قال الله فيه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)البقرة/183.
وقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا)الإسراء/33.
فإذا أراد القاتل أن يفدي نفسه،ويفك رقبته من القتل الواجب عليه شرعا، فإنما يكون ذلك من ماله الخاص،لا من مال الزكاة الذي جعله الله للفقراء والمساكين والعاملين عليها،ونحوهم من أهل الحاجة من المسلمين،أومن أهل المنفعة للمسلمين.
ومما يدل على ذلك:
أن الإسلام إنما شرع المواساة في دية قتل الخطأ،لأنه قتل غير مقصود من صاحبه،ولذا ارتفع عنه الإثم، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً)النساء/92.
وجاءت آيات في كتاب الله ترفع الإثم عن المخطئ والناسي والمكره:
-كما في قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)البقرة/286.
-وقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)الأحزاب/5.
-وفي الحديث الشريف “إنَّ اللهَ تعالى وضع عن أُمَّتي الخطأَ، و النسيانَ، و ما اسْتُكرِهوا عليه”ابن ماجه والطبراني.
وشرع الإسلام أن تواسي العاقلة -أهل القاتل- القاتل في دفع دية قتل الخطأ،بل هي التي تتحمل هذه الدية كلها،كما ثبت ذلك بالسنة القولية والعملية.
ولم يحمل الشرع الشريف العاقلة شيئًا في قتل العمد،كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “لا تَحملُ العاقلةُ عمدًا ولا ما جَنَى المملوكُ ولا صُلْحًا ولا اعترافًا”ولا مخالف له من الصحابة،وعليه إجماع المذاهب.
فلو كان قتل العمد مما يواسَى فيه لكان أحق من يواسي فيه العاقلة.
من يتحمل دية القاتل العمد؟
أجمع أهل العلم على أن دية القاتل العمد تجب في مال القاتل،لا تحملها العاقلة،وهذا قضية الأصل،وهو أن بدل المتلَف يجب على المتلِف،وأرش الجناية على الجاني،قال النبي ﷺ:”لا يجني جانٍ إلَّا على نفسِهِ…”ابن ماجه وأحمد والترمذي.
ولأن موجب الجناية أثر فعل الجاني،فيجب أن يختص بضررها،كما يختص بنفقتها، فإنه لو كسب كان كسبه لنفسه دون غيره،وقد ثبت هذا في سائر الجنايات والإكساب،وإنما خولف هذا الأصل في قتل الحر المعذور فيه -يعني قتل الخطأ- لكثرة الواجب،وعجز الجاني في الغالب عن تحمله،مع وجوب الكفارة عليه،وقيام عذره؛ تخفيفًا عنه،ورفقًا به،والعامد لا عذر له،فلا يستحق التخفيف،ولا يوجد فيه هذا المعنى المقتضي للمواساة في الخطأ.
ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن دية العمد على القاتل في ماله حالَّة غير مؤجلة،على خلاف دية الخطأ،فهي على العاقلة،ومؤجلة أو مقسطة على ثلاث سنين.
ولا يجوز دفع دية القاتل العمد من الزكاة،لأنه في واقع الأمر يأخذ من المال المرصود للفقراء وأهل الحاجة ونحوهم،لفك رقبة قاتل متعمد، وعليه أن يتحمل مسؤولية نفسه.
حكم المساهمة في دية قتل الخطأ من الزكاة؟
قال تعالى: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ)النساء/92.
وجاءت السنة فبينت أن الدية في الخطأ على -العاقلة- وهم عصبة الإنسان وقرابته من جهة أبيه.
وقد شرعت السنة النبوية تحمل العاقل للدية لحكم عدة،منها:
1ـ تقوية التكافل بين الأقارب،بحيث يساند بعضهم بعضا في الملمات،كما قال تعالى: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)الأنفال/75.
2ـ تحقيق العدل فيما بينهم حتى يكون الغنم بالغرم،فالقريب قد يموت قريبه فيرث منه، فيغنم بذلك،فلا بأس أن يسهم مع قريبه في تحمل الدية فيغرم بذلك،والغرم بالغنم.وكل حق يقابله واجب.
3ـ تحميل كل قبيلة أو جماعة مسؤولية الرعاية والرقابة لأولادهم بالتضامن فيما بينهم،فلا يدعون لهم الحبل على الغارب،ليورطوهم كل حين في تحمل دية القتل،بل يتعاونون على حسن توجيههم وترشيدهم.
4ـ ألا يضيع دم المقتول هدرًا،إذا لم يكن القاتل قادرًا على دفع ديته،فبتحميل العاقلة ديته تضمن صيانة الدماء،وعدم إهدارها.
وعلى من القاتل خطأ ـبعد دفع الديةـ عليه الكفارة التي نص عليها القرآن الكريم: (وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)النساء/92.