يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
من نعمة الله تعالى العظيمة علينا أن أرسل إلينا خاتم النبيين، وسيد المرسلين، شفيـع الأولين والآخرين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وله علينا ﷺ حقوقاً عظيمة واجبٌ علينا القيام بها وعدم التقصير فيها أو الجفاء في حقه عليه الصلاة والسلام علينا.
ما هي الحقوق الواجبة للنبي ﷺ؟
أولاً- الإيمان به ﷺ:
الإيمان به ﷺ نبياً ورسولاً، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ )الحديد/28، وقال سبحانه وتعالى: ( لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ )الفتح/9.
فأول ذلك هو الإيمان به عليه الصلاة والسلام، ومن لم يؤمن به فهو كافر من أهل النار، قال عليه الصلاة والسلام في حديث مسلم: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة» أمة الدعوة، الأمة التي بعث فيها ﷺ من لدنه إلى يومنا هذا، «لا يسمع بي أحد، يسمع بدعوته الحق، ثم لا تؤمن بي» وقال في الحديث: “والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيَدِه لا يَسمَعُ بي أحَدٌ مِن هذه الأُمَّةِ يَهوديٌّ ولا نَصرانيٌّ، ثُمَّ يَموتُ ولَم يُؤمِنْ بالذي أُرسِلتُ به، إلَّا كانَ مِن أصحابِ النَّارِ”مسلم.
فأنت إذا قلت لا إله إلا الله ووقفت، ولم تشهد أن محمداً رسول الله، لست بمؤمن، ولست بناجٍ يوم القيامة.
ثانياً- محبته ﷺ:
محبته ﷺ محبة عظيمة، محبة النبي ﷺ بعد محبة الله تـُقدَّم على كل محبة، كما قال ﷺ: “لا يُؤمِنُ أحَدُكُم حتَّى أكونَ أحَبَّ إليه مِن والِدِه وولَدِه والنَّاسِ أجمَعينَ”رواه البخاري ومسلم.
لا تقدم على محبته عليه الصلاة والسلام ومحبة سنته محبة أحد ولا رضاه.
ثالثاً- طاعته ﷺ:
يجب طاعته ﷺ قال سبحانه وتعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ )النساء/59.
وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث المشهور: “كُلُّ أُمَّتي يَدخُلونَ الجَنَّةَ إلَّا مَن أبى، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، ومَن يَأبى؟ قال: مَن أطاعَني دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن عَصاني فقد أبى”البخاري.
وقال سبحانه وتعالى: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا )الحشر/7، وحذر الله جل في علاه من معصيته: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )النور/63.
كل من عارض هدي النبي ﷺ وسنته فقد عرض نفسه للفتنة بعد الإيمان، وللعذاب الأليم في الآخرة، فلا تقدم على طاعته عليه الصلاة والسلام طاعة أحد.
رابعاً- التأدب معه وتوقيره:
التأدب معه ﷺ، تعظيمه، إكرامه، توقيره.. الله عز وجل نهى أصحاب نبيه أن ينادونه باسمه قال تعالى: ( لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً )النور/63، لا تقولوا يا محمد، ولا تقولوا يا أبا القاسم، وإنما قولوا يا رسول الله.. يا نبي الله. لا تجعلوا الدعاء والكلام معه ككلامكم مع بعضكم بعضاً، وقال تعالى: ( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ )الأحزاب/40، ﷺ.
خامساً- الصلاة والسلام عليه:
أن نصلي ونسلم عليه ﷺ إذا ذُكِر، قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلَّمُوا تَسْلِيماً )الأحزاب/56. وقال عليه الصلاة والسلام: “البخيلُ الَّذي مَن ذُكِرتُ عندَهُ فلم يصلِّ عليَّ”رواه الترمذي وأحمد.
وقال عليه الصلاة والسلام: “ما جلسَ قومٌ مجلسًا لم يًذكروا اللهَ فيهِ ، ولمْ يُصلُّوا فيه على النبيِّ ﷺ ، إلا كانَ عليهِم تِرَةٌ يومُ القيامةِ ، إنْ شاءَ عَفا عنهم ، وإن شاءَ أخذهُم بها”رواه أبو داود والترمذي، تِرةً يعني حسرة والعياذ بالله.
سادساً- تعظيم أصحابه وأهل بيته:
أن نعظم أصحابه، وأن نعظم أهل بيته، وأن نكرمهم، وأن نثني عليهم، وأن نعرف سيرهم، وأعمالهم، وجهادهم.. لا أن نتعرض لهم بالسب ولا بالقدح ولا بكلام فيه شينٌ لهم! قال عليه الصلاة والسلام: “لا تَسُبُّوا أصحابي؛ فلو أنَّ أحَدَكُم أنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهم ولا نَصيفَه”رواه البخاري ومسلم.
أين أنت من صحابة رسول الله حتى تتكلم فيهم وتطعن عليهم؟! .. ومن أنت؟! حتى تتكلم في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، الخلفاء الراشدين، خلفاء الرسول ﷺ من بعده، وبقية العشرة المبشرين، وأصحاب النبي ﷺ، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
النهي عن الغلو في النبي ﷺ؟
محبتنا له ﷺ وتعظيمنا له لا يعني الغلو فيه. فقد نهانا الله عن الغلو قال تعالى: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ )النساء/171.
والرسول ﷺ نفى عن نفسه أشياء هي داخلة في الغلو كما قال الله عز وجل في كتابه، قال سبحانه وتعالى على لسان رسوله: ( قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ )الأنعام/50.
الرسول عليه الصلاة والسلام أمره ربه أن يقول هذا الكلام للناس: أنا ليس عندي خزائن الأرض، أنا مثلكم.. أكتسب، وأترزق، وأبيع، وأشتري.. ولا أقول عن نفسي إني ملك من الملائكة.. لا، أنا بشر، كما قال تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ )الكهف/110.
أنا بشر من البشر، أمرض وأصح، أجوع وأعطش، أنام وأقوم، أحيا وأموت.. قال تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ )آل عمران/144.
-ليس نبينا عليه الصلاة والسلام بمخلد، كل الأنبياء الذين قبله ماتوا.
-والنبي ما كان يعلم الغيب، كان يأتيه الرجل فيسأله السؤال أحياناً ينتظر الجواب من رب العالمين، يطرق حتى يأتيه الوحي.
-حضر النبي ﷺ عرساً فغنت الجارية الصغيرة تضرب بالدف، فغنت وقالت: “وفينا نبي يعلم ما في غد”، قال لها ﷺ: «مه! ذاك الله، قولي ما كنت تقولين»، لست ممن يعلم الغيب. رواه البخاري.
-وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لما قال له رجلٌ : ما شاء اللهُ وشئتَ: “أجعلتَني للهِ ندًّا؟ ما شاء اللهُ وحدَه” وفي رواية: «أجعلتني لله عدلاً؟» عِدل.. ربنا عز وجل.. أجعلتني لله عدلاً؟ نهاه ﷺ. رواه أحمد.
-وكان النبي ﷺ يقول في الحديث: “اللَّهمَّ لا تَـجْعَلْ قَبْري وَثَنًا، لعَنَ اللهُ قَوْمًا اتَّـخَذوا قُبورَ أَنْبِيائِهم مَساجِدَ”البخاري ومسلم.
-رسول الله ﷺ لحق بالرفيق الأعلى، إن كنت داعياً فادعُ الله، ولا تقل: “يا رسول الله أغثني، يا رسول الله اشفني”، لا يجوز، هذا شرك بالله! لأن الرسول ﷺ لحق بربه. “إذا سألتَ فاسألِ اللَّهَ وإذا استعنتَ فاستعن باللَّهِ” يقول الرسول ﷺ لابن عباس.
قال سبحانه: ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ )النمل/62، تعالى الله سبحانه وتعالى.. أإله مع الله؟
لا يجوز للإنسان أن يدعو مع الله أحداً، لا تنادِ ميتاً، لا نبياً ولا صالحاً ولا صحابياً ولا إماماً ولا أي أحد، ادعُ الله: قال تعالى: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )البقرة/186.
حق نبينا ﷺ في الأمة بين الغلو والجفاء والتوسط. من يعرف للنبي ﷺ حقه يطيعه، وهناك من يجفو فيترك سنته بلا عذر، وهناك من يغلو!
والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: “لا تُطروني كما أطرَتِ النَّصارى ابنَ مَريَمَ؛ فإنَّما أنا عَبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورَسولُه” ﷺ. رواه البخاري.