يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-:

إن احترام الأجانب المعاهدين أو المستأمنين، واحترام أموالهم وحرمة التعدي عليهم أو عليها، من المسائل المجمع عليها بين المسلمين المعلومة من الدين بالضرورة فليست مما يُسأل عنه أو يستفتى فيه ، لولا تأويل المضلين .

وقد أفتى من يظن الناس أنه من أهل العلم والتقوى، بأن أموال الأجانب الذين في بلاد المسلمين مباحة للمسلمين، فيجوز لمن قدر على أكل مال من الشركات الأجنبية أو الأفراد، أن يأكل ما استطاع أكله سواء كان مستخدماً فيها أو غير مستخدم , ويتأول الحكم الشرعي المجمع عليه بأن هؤلاء الأجانب معاهدون أو مستأمنون في الظاهر ولكنهم حربيون في الواقع ؛ لأنهم أخذوا الامتيازات بهذه الشركات من حكومتنا بالجبر والإكراه ، لا بالرضى والاختيار .

وهذا هو باطل التأويل ، ومحض الكذب وقول الزور ، فالامتيازات أخذت باختيار الدولة ، والمعاهدات بين بلاد المسلمين وبلاد أصحاب هذه الشركات لا شك فيها ، وإلا كانوا محاربين ، ولا حرب بيننا وبين أحد منهم ، والمصلحة في هذه المعاهدات لنا ظاهرة ، وإذا نقض بعضهم شيئًا من شروط العهد، فليس لأحد من أفراد الرعية أن يعده محاربًا ويستحل ماله ودمه ، وإنما ذلك حق السلطان وأولي الأمر ، ولولا ذلك لم يستقم نظام ولم تثبت مصلحة .

ولو كان شرعنا العادل يبيح مثل هذا لما وثقت دولة من دول الأرض بعهودنا وأماننا ، ولكانت معذورة في الاتحاد على استئصالنا ، سبحان الله ! جعل الشارع ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، ولعن من أخفر ذمتهم ، كما ورد في حديث علي كرم الله وجهه في الصحيحين والمسند وكتب السنن الثلاثة وغيرها ومن حديث غيره أيضاً ، ومعنى ( يسعى بها أدناهم ) أن العبد أو الأجير من المسلمين إذا أمن بعض الحربيين وجب على كل مسلم أن يحترم أمانه ويحرم عليه أن يتعدى على من أمَّنه ، أو يؤذيه في نفسه أو ماله .

وقال الحافظ ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة إلا شيئًا ذكره عبد الملك بن الماجشون صاحب مالك قال : إن أمر الأمان إلى الإمام ( الخليفة ) ورد قوله بالحديث ، واشترط أبو حنيفة في العبد أن يكون مقاتلاً ليصح تأمينه، وأما تأمين آحاد الصناع والزراع فلا خلاف فيه .