يُلجا إلى عملية ربط المعدة للأشخاص شديدي السمنة، والذين تشكل سمنتهم خطرا على حياتهم ، والهدف من هذه العملية تصغير حجم المعدة، ليشعر المريض بالشبع والامتلاء، فإن كان الأمر ضروريا ونصح به الأطباء فلا حرج من إجراء هذه العملية.
ولكن ينبغي أن نذكر أن كثيرا من الناس يكونون السبب في وقوعهم في هذه التخمة، بإسرافهم في الطعام والشراب وعدم التزامهم بالآداب الإسلامية في الأكل، فهؤلاء يجب أن يضموا إلى برنامج علاجهم عدم الإسراف الذي نهى القرآن الكريم عنه، قال تعالى موضحا الوسطية في الطعام والشراب وعدم الإسراف: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)الأعراف/31.
الهدي النبوي في كراهة البدانة؟
قال صلى الله عليه سلم: “ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ؛ بحسب ابنِ آدمِ أكلاتٍ يُقمن صُلبَه، فإن كان لا محالةَ : فثلث طعامٌ، وثلُثٌ شرابٌ، وثلثٌ لنفسِه”الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد.
هذه إشارة إلى العلاج لإنقاص الوزن، لما تسببة السمنة من أضرار، وكذلك البعد عن الإسراف في تناول الطعام واتباع سنة رسول الله ﷺ في تناول الطعام كما أوضح الحديث …
وجاء تطبيقا لقوله تعالى : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) سورة الأعراف/31
وبهذا سبق الاسلام العلم الحديث منذ أكثر من أربعة عشر قرنا إلى أهمية التوازن في تناول الطعام والشراب، وحذر من أخطار الإسراف فيهما على صحة الإنسان.
حكم عملية حزم المعدة؟
-يقول الشيخ محمد الحمود النجدي ـ عضو اللجنة الشرعية بالكويت:
عملية حزم المعدة المراد بها تضييق حجم المعدة، كي تقل رغبة الإنسان في الطعام، وهي من العمليات الحديثة التي يستخدمها من يطلب النحافة أو ما يسمى بـ «الرجيم».
وهذه العملية إذا كانت تتم عن طريق التخدير، فلا تجوز إلا عند الضرورة، أي: إذا كانت السمنة تضر صاحبها أو تسبب له أمراضاً.
وإذا كانت هذه العملية ضارة ببدن الإنسان فلا تجوز أيضاً، لقوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)البقرة/195. ولقوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)النساء/29.
-يقول الشيخ محمد بن صالح المنجد:
يجوز إجراء عملية لربط المعدة (تصغيرها بوضع الحزام أو عن طريق التدبيس) ، أو تصغير حجمها وتوصيلها بالأمعاء الدقيقة ، لغرض التخفيف من الوزن المفرط ، ولا يعد هذا من تغيير خلق الله ، لأنه من باب العلاج والتداوي ، لكن يشترط غلبة الظن بعدم ترتب مفسدة أو مضرة أعظم ، ويُرجع في ذلك إلى رأي الطبيب الثقة وذلك لأن هذه العمليات قد يكون لها آثار جانبية خطرة، والأولى استعمال طرق الحمية والرجيم ، بمتابعة أهل الاختصاص ، فإذا لم يُجْدِ ذلك ، أمكن اللجوء إلى ربط المعدة أو تغيير المسار عند التأكد من السلامة من الأضرار والآثار الجانبية .
-يقول الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين:
شرع الإسلام التداوي، فإذا مرض الإنسان أو طرأ عليه ما يخل بصحته كالسمنة المفرطة، فعليه أن يعالج ما يعرض لصحته من عوارض، وقد دلت نصوص كثيرة على جواز التداوي، منها:
-ما جاء في حديث أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال:”تداووا فإنَّ اللهَ لم يضَعْ داءً إلا وضَعَ له دواءً غيرَ الهِرَم”
رواه الترمذي وأبو داود وأحمد.
-وورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: “ما أنزَلَ اللهُ داءً إلَّا أنزَلَ له شِفاءً”البخاري ومسلم.
-وجاء في الحديث عن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “لكُلِّ داءٍ دَواءٌ، فإذا أُصيبَ دَواءُ الدَّاءِ بَرَأ بإذنِ اللهِ عزَّ وجلَّ”رواه مسلم والنسائي وأحمد.
وغير ذلك من النصوص ولا شك أنه يترتب على السمنة المفرطة أضرار صحية كثيرة.
لذا فإن علاج السمنة المفرطة داخل تحت عموم النصوص التي تدل على جواز التداوي، وهنالك وسائل ينبغي لمن كانت عنده سمنة مفرطة أن يستعملها قبل اللجوء إلى عملية ربط المعدة، ومن أهمها تقليل الطعام والشراب، فكثرة الطعام والشراب من الأسباب الرئيسة للسمنة المفرطة.
وقد وجهنا النبي ﷺ إلى التقليل منهما، بل ذكر أن كثرة الطعام من الشرور، كما ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: “ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ؛ بحسب ابنِ آدمِ أكلاتٍ يُقمن صُلبَه، فإن كان لا محالةَ : فثلث طعامٌ، وثلُثٌ شرابٌ، وثلثٌ لنفسِه”رواه أحمد والترمذي والنسائي والحاكم.
وورد في الحديث: “أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رأى رجلًا عظيمَ البطنِ فقال بأصبعِه في بطنِه لو كان هذا في غيرِ هذا لكان خيرًا لك”رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.
وقال الشيخ الساعاتي: [ لو كان العظم في غير البطن من أعضائه … كان خيراً لأن عظم البطن يثقل الرجل ويضره ولا يفيده؛ لأنه ينشأ عن كثرة الأكل وكثرة الأكل مذمومة فكأنه ﷺ يحثه على التقليل من الأكل والشرب لأنه أصح للبدن الفتح الرباني 17/218
إذا تقرر هذا، فإن عملية ربط المعدة وهي عملية تجرى لتصغير المعدة، تجوز إذا استنفذت الوسائل الأخرى لعلاج السمنة المفرطة التي أشرت إليها، فحينئذ تكون هنالك حاجةٌ ماسةٌ لإجراء هذه العملية، ولا بد من تحقق الضوابط والشروط الشرعية المقررة لجواز العمليات الجراحية بشكل عام وهي:
الشرط الأول:
أن تكون الجراحة مشروعة: فلا يجوز للمريض أن يطلب فعل الجراحة ولا للطبيب أن يجيبه إلا بعد أن تكون تلك الجراحة مأذوناً بفعلها شرعاً، لأن الجسد ملك لله رب السماوات والأرض وما فيهن، فلا يجوز للإنسان أن يتصرف فيه إلا بإذن المالك الحقيقي.
الشرط الثاني:
أن يكون المريض محتاجاً إلى الجراحة: أي بأن يخاف على نفسه الهلاك أو تلف عضو من أعضاء جسده أو دون ذلك كتخفيف الألم.
الشرط الثالث:
أن يأذن المريض أو وليه بفعل الجراحة: فإذا رفض المريض ولو كان يتألم فلا يجوز للطبيب أن يجري الجراحة حتى يأذن له
الشرط الرابع:
أن تتوفر الأهلية في الطبيب الجراح: ويتحقق هذا الشرط بوجود أمرين: أن يكون ذا علم وبصيرة بالعملية المطلوبة، وأن يكون قادراً على تطبيقها وأدائها على الوجه المطلوب، فلو كان جاهلاً بالكلية كأن تكون خارجة عن اختصاصه أو جاهلاً ببعضها فإنه يحرم عليه فعلها، ويعتبر إقدامه عليها في حال جهله بمثابة الجاني المعتدي على الجسم المحرم بالقطع والجرح.وهنا لا بد من استشارة الأطباء الأخصائيين الثقات قبل القيام بعملية ربط المعدة
الشرط الخامس:
أن يغلب على ظن الطبيب الجراح نجاح الجراحة: بمعنى أن تكون نسبة نجاح العملية ونجاة المريض من أخطارها أكبر من نسبة عدم نجاحها وهلاكه، فإذا غلب على ظنه هلاك المريض بسببها فإنه لا يجوز له فعلها
الشرط السادس:
ألا يوجد البديل الذي هو أخف ضرراً من الجراحة: كالعقاقير والأدوية، فإن وجد البديل لزم المصير إليه صيانة لأرواح الناس وأجسادهم حتى لا تتعرض لأخطار الجراحة وأضرارها ومتاعبها كالقرحة الهضمية في بدايته يتم علاجه بالعقاقير والتي ثبت مؤخراً تأثيرها على القرحة وأنها أنجح العلاجات وأفيدها.
الشرط السابع:
أن تترتب المصلحة على فعل الجراحة: إنما شرعت الجراحة لمصلحة الأجساد ودفع ضرر الأسقام عنها، فإذا انتفت تلك المصالح وكانت ضرراً محضاً، فإنه حينئذ ينتفي السبب الموجب للترخيص بفعلها شرعاً، وتبقى على أصل الحرمة.
الشرط الثامن:
أن لا يترتب على فعلها ضرر أكبر من ضرر المرض: كجراحة التحدب الظهري الحاد فالغالب فيها أنها تنتهي بالشلل النصفي، فعلى الطبيب أن يقارن بين نتائج ومفاسد الجراحة ومفاسد المرض، فإن كانت المفاسد التي تترتب على الجراحة أكبر من المفاسد الموجودة في المرض حرمت الجراحة؛ لأن الشريعة لا تجيز الضرر بمثله أو بما هو أشد، وأما إذا كان العكس فتجوز.] الوجيز في أحكام الجراحة الطبية والآثـار المتـــرتبة عليها بتصرف يسير، وانظر للتوسع أحكام الجراحة الطبية للدكتور محمد الشنقيطي ص 104-
ومن الوسائل التي تعين على تخفيف السمنة؟
1-المداومة على الصوم، كصيام الاثنين والخميس وغيرهما من الأيام كما ورد في الحديث عن ربيعة بن الغاز أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن صيام رسول الله ﷺ فقالت: “كان يَتَحَرَّى صيامَ الاثنينِ والخميسِ” رواه النسائي وابن ماجة وأحمد.
2- ممارسة الرياضة، وخاصة رياضة المشي. فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: “المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ وفي كلٍ خيرٌ”رواه مسلم.
وخلاصة الأمر: أن عملية ربط المعدة جائزةٌ شرعاً، إذا استنفذت الوسائل الأخرى لعلاج السمنة المفرطة، ضمن الشروط الشرعية المقررة لأحكام الجراحة الطبية.