يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

من حكمة الله تبارك وتعالى أن جعل في الدنيا الليل والنهار، والشمس والقمر، والحر والبرد، والصيف والشتاء، كلها آيات من آيات الله عز وجل. لا يقضي الله عز وجل شيئاً إلا لحكمة بالغة. 

وفي حر الصيف عبرة وعظة لبني آدم، الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ( أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ )الواقعة/57-59. 

النار تذكرة لبني آدم بنار الآخرة، ليتذكر الإنسان النار الأخروية التي أعدها الله تعالى للكفرة والعصاة المجرمين، مع أنها قد خففت سبعين مرة كما جاء في الحديث؛ أن الرسول يقول: “نارُكُم جُزءٌ مِن سَبعينَ جُزءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ، قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، إن كانَت لَكافيةً! قال: فُضِّلَت عليهنَّ بتِسعةٍ وسِتِّينَ جُزءًا، كُلُّهنَّ مِثلُ حَرِّها”البخاري ومسلم. لو عذب الله عز وجل عصاة بني آدم بهذه النار التي نحن نستعملها، والصحابة قالوا والله كانت كافية. 

فالنار عظة وموعظة، جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره أن رسول الله قال: “اشتَكَتِ النَّارُ إلى رَبِّها، فقالت: يا رَبِّ، أكَلَ بَعضي بَعضًا، فأذِنَ لَها بنَفَسَينِ: نَفَسٍ في الشِّتاءِ، ونَفَسٍ في الصَّيفِ، فهو أشَدُّ ما تَجِدونَ مِنَ الحَرِّ، وأشَدُّ ما تَجِدونَ مِنَ الزَّمهَريرِ” – هذا نفس جهنم – الحرارة في الصيف والزمهرير في الشتاء. 

لأن أهل النار يعذبون بالنار المحرقة، ويعذبون بالبرد المهلك المحرق، كلاهما من عذاب أهل النار، نسأل الله العفو والعافية.

الرضا بقضاء الله والتزام الطاعات؟

 الحر الشديد قد يعترض فيه بعض الناس على ربنا سبحانه وتعالى ويتسخط، ولا يجوز للمسلم أن يتسخط قدر الله ولا خلقه؛ لأن الله عز وجل لا يخلق شيئاً إلا لحكمة، ولا يقضي شيئاً إلا بمشيئته وعلمه، جل جلاله وتقدست أسماؤه. 

ولا يكون الحر سبباً لترك الطاعات وترك الصلاة في الجماعات. ربنا سبحانه وتعالى حكى عن المنافقين أنهم تركوا الجهاد مع رسول الله ، وذلك في غزوة تبوك، وكانت في الحر، في الصيف، كما قال تعالى: ( وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ )التوبة/81؛ يقول الله عز وجل: ( قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ )التوبة/81. 

أنتم تتركون الجهاد مع رسول الله وتعتلون بالحر؟! فالذي وقعتم فيه أشد، وهو معصية الله عز وجل ورسوله ، فلكم النار بهذه المعصية.

شدة حر يوم القيامة والناجون منه؟

في يوم القيامة يقول النبي الحر شديد، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم: “تدنو الشمسُ يومَ القيامةِ من الخلقِ ، حتى تكونَ منهم كمقدارِ مَيلٍ ، فيكون الناسُ على قدرِ أعمالهم في العَرقِ ، فمنهم من يكونُ إلى كعبَيه ، ومنهم من يكون إلى ركبتَيه ، ومنهم من يكون إلى حِقْوَيه-يعني موضع شدة الإزار- ، ومنهم من يلجُمه العرقُ إلجامًا”وأشار النبي بيده إلى فيه. العرق يصل إلى فمه بقدر عمله، بقدر ما كان يعمل في الدنيا! 
وهناك من ينجيه الله عز وجل من حر يوم القيامة، فيظلهم الله عز وجل في ظله، في ظل عرشه، كما جاء في حديث الإمام مسلم المشهور: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله».. من أين تأتي بالظل؟! لا يظلك إلا الله! يوم تنقطع فيه الأسباب، تذهب فيه الأموال والأولاد والمناصب والجاه. 
سبعة (يعني سبعة أصناف من الناس) يظلهم الله في ظله (يعني ظل عرشه سبحانه وتعالى).

إمام عادل: حاكم عادل يعطي كل ذي حق حقه، لا يظلم الناس، ومثله كل مسؤول له كلمة إذا اتقى الله عز وجل.

وشاب نشأ في عبادة الله: من عادة الشباب اللهو واللعب، وهذا شاب نشأ في عبادة الله وطاعة الله وحفظ كتاب الله وحلقات القرآن في المساجد، هو من العبّاد مع أنه شاب، نشأ في عبادة الله عز وجل.

ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه: من خشية الله سبحانه وتعالى.

ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقالإني أخاف الله: ما اتّبع الشهوات ولا وقع في الفواحش والمنكرات، بل قال: إني أخاف الله رب العالمين.

ورجلان تحابا في الله: اجتمعا عليه وتفرقا عليه، محبة في الله من غير أنساب ولا أحساب، وإنما محبة لله سبحانه وتعالى.

ورجل قلبه معلق في المساجد: معلق بالجماعة، معلق بالجمعة، يسأل: متى أذّن؟ هل أذّن؟ حريص على بيت الله سبحانه وتعالى.

-ومن الأعمال الموجبة لظل العرش وشكر النعم؟

هناك خصال كثيرة توجب للإنسان الظلال في يوم القيامة، وجمعها بعض العلماء في رسائل، من ذلك:

-من أنظر معسراً أو وضع عنه، يقول : “من أنظر معسرًا أو وَضع له، أظلَّه اللهُ يومَ القيامةِ تحتَ ظلِّ عرشهِ، يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه”الترمذي وأحمد. 

وقال : “كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقتِه حتى يُفصَلَ بين الناسِ أو قال : حتى يُحكَمَ بين النَّاسِ”أحمد،ابن حبان. كل امرئ تصدق بصدقة فهو في ظل صدقته يوم القيامة، وأعظمها الصدقات الجارية الباقية؛ بئر حفرها، مسجداً بناه، بيتاً لابن السبيل الضعيف بناه.. صدقات تبقى لمئات السنين، عشرات السنين، هذه مما يستظل بها العبد يوم القيامة. 

-الحر الشديد يتذكر فيه العبد نعم الله عز وجل عليه بتوفر التبريد والكهرباء والماء، وينظر إلى إخوانه الضعفاء الذين لا يجدون شيئاً من ذلك فيشكر الله ويحمده على نعمه الكثيرة المتوالية في الليل والنهار.