-جاء في كتاب: ” إحياء علوم الدين ” للإمام الغزَّالي ” ج1 ص 49 “، وفي بيان وظائف المرشد المعلم في الوظيفة السادسة: أن يقتصر بالمتعلِّم على قدر فهمه، لحديث: ” نحن معاشر الأنبياء أُمرنا أن نُنزل الناس منازلهم ونكلِّمهم على قدْر عقولهم”، وجاء من أقوال عيسى ـ عليه السلام ـ: ” لا تُعلِّقوا الجواهر في أعناق الخنازير”، فإن الحكمة خير من الجواهر، ومَن كَرِهَها فهو شرٌّ من الخنازير، وقال تعالى: ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم ) تنبيهًا على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى، وليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق.
يقول الشاعر :
أأنثر درًّا بين سارحة النعم فأصبح مخزونا براعية الغنم؟
فمَن منح الجهال علمًا أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم
-وجاء في ” أدب الدنيا والدين ” للماوردي ” ص73 ” روى عن النبي ـ ﷺ ـ أنه قال ” لا تمنعوا العلم أهله فتظلموا، ولا تضعوه في غير أهله فتأثموا ” ولم يخرج هذا الحديث، كما جاء فيه عن النبي ﷺ ” واضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير اللؤلؤ والجوهر والذهب ” ولم يخرِّجه أيضا، وذكر قول عيسى ” لا تلقوا الجوهر للخنزير ” فالعلم أفضل من اللؤلؤ، ومن لا يستحقه شرعًا خنزير. وجاء أيضًا في ” إحياء علوم الدين للغَزَّالي ج1 ص 11 ” قول عكرمة: إن لهذا العلم ثمنًا، قيل: وما هو؟ قال: أن تَضَعَه فيمَن يُحسن حَمْلَه ولا يضيِّعه.
ثم جاءت أخبار تحذِّر من تعلُّم العلم لغير وجه الله منها: ” لا تتعلَّموا العلم لتُباهُوا به العلماء، ولتماروا به السفهاء، ولتَصرفوا به وجوه الناس إليكم، فمَن فعل ذلك فهو في النار “، وهو حديث رواه ابن ماجة بسند صحيح، ولا شك أن السفلة هم الذين يتعلمون من أجل ذلك.
فضل العلم في القرآن؟
-قال تعالى: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، وهو استفهام إنكاري معناه نفي التسوية بين أهل العلم وأهل الجهل.
-وقال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، أي لا يخشى الله إلا العلماء الذين يعرفون مقامه، ويقدرونه حق قدره، والعلم الحقيقي هو الذي يورث الخشية.
-وقال تعالى: (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين).
-وقال تعالى: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون). فالأقرب أن القوم الذين يعلمون هنا: هم علماء الفلك والطبيعة الجوية، فهم أقدر الناس على معرفة أسرار كون الله تعالى واكتشاف سننه في جعل النجوم للاهتداء.
ومن هنا نرى أن العلم الذي أشاد به القرآن ليس مقصورًا على علم الدين وحده، وإن كان علم الدين له الصدارة والأولوية، لأنه العلم الذي يتعلق بالمقاصد والغايات، وعلوم الدنيا تتعلق بالوسائل والآلات، ولكنها مهمة أيضا لنماء الحياة وبقائها كما يريد الله تعالى.
-وقال تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالمون).
فضل العلم في السنة؟
-جاءت الأحاديث النبوية فأكدت ما جاء في القرآن من فضل العلم، ومنزلة العلماء:
-من ذلك ما رواه معاوية قال: قال رسول الله ﷺ: “مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ”البخاري،مسلم.
-وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: “ن سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا ، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ”الترمذي،مسلم.
-وعنه مرفوعا: “إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ : صدقةٍ جاريةٍ ، وعلمٍ ينتفعُ به ، وولدٍ صالحٍ يدعو له”.
-وعن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: “مَن سلَكَ طريقًا يلتَمِسُ فيهِ علمًا ، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ ، وإنَّ الملائِكَةَ لتَضعُ أجنحتَها لطالِبِ العلمِ رضًا بما يصنعُ وإنَّ العالم ليستغفِرُ لَهُ مَن في السَّمواتِ ومن في الأرضِ ، حتَّى الحيتانِ في الماءِ ، وفضلَ العالمِ على العابدِ كفَضلِ القمرِ على سائرِ الكواكبِ ، وإنَّ العُلَماءَ ورثةُ الأنبياءِ إنَّ الأنبياءَ لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا إنَّما ورَّثوا العلمَ فمَن أخذَهُ أخذَ بحظٍّ وافرٍ”أبوداود،الترمذي،أحمد.
-وعن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه، قال: ما جاء بك؟ قلت: أنبط العلم (يعني أطلبه وأستخرجه)، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: “- ما من خارجٍ خرج من بيتِه في طلبِ العلمِ ، إلا وَضعت له الملائكةُ أجنحتَها رضًا بما يصنعُ ، حتى يَرجعَ”الترمذي،النسائي،ابن ماجة.
-وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: “- من خرجَ في طلبِ العلمِ فهوَ في سبيلِ اللَّهِ حتَّى يرجعَ”الترمذي، والمراد بسبيل الله: هو الجهاد.