قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
الأصل في الطلاق : الحظر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة ، كما ثبت في الصحيح عن جابر عن النبي ﷺ : “إنَّ إبليسَ يضعُ عرشَه على الماءِ ، ثم يبعثُ سراياه ، فأدناهم منه منزلةً أعظمَهم فتنةً ، يجيءُ أحدُهم فيقولُ : فعلتُ كذا وكذا ، فيقولُ ما صنعتَ شيئًا ، ويجيءُ أحدُهم فيقولُ : ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينَه وبين أهلِه ، فيُدْنِيه منه ، ويقولُ : نعم أنتَ !؟أخرجه مسلم وأحمد، وقد قال تعالى في ذم السحر: ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ )البقرة/102.
الصلح خير؟
يقول الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى: “قد شرع الله الإصلاح بين الزوجين واتخاذ الوسائل التي تجمع الشمل وتبعد شبح الطلاق ، ومن ذلك : الوعظ ، والهجر ، والضرب اليسير إذا لم ينفع الوعظ والهجر ، كما في قوله سبحانه : (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)النساء/34 .
ومن ذلك : بعث الحكمين من أهل الزوج وأهل الزوجة عند وجود الشقاق بينهما للإصلاح بين الزوجين ، كما في قوله سبحانه : (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا)النساء/35 .
فإن لم تنفع هذه الوسائل ولم يتيسر الصلح واستمر الشقاق: شرع للزوج الطلاق إذا كان السبب منه ، وشرع للزوجة المفاداة بالمال إذا لم يطلقها بدون ذلك إذا كان الخطأ منها أو البغضاء لقول الله سبحانه : ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )البقرة/229.
-ولأن الفراق بإحسان خير من الشقاق والخلاف ، وعدم حصول مقاصد النكاح التي شرع من أجلها ، ولهذا قال الله سبحانه : ( وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا )النساء/130 ، وفي صحيح البخاري: “أنَّ امرَأةَ ثابِتِ بنِ قَيسٍ أتَتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، ثابِتُ بنُ قَيسٍ، ما أعتِبُ عليه في خُلُقٍ ولا دينٍ، ولَكِنِّي أكرَهُ الكُفرَ في الإسلامِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أتَرُدِّينَ عليه حَديقَتَه؟ قالت: نَعَم، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اقبَلِ الحَديقةَ وطَلِّقْها تَطليقةً”.انتهى
قبل أن تطلق أو تطلبين الطلاق؟
المتأمل لواقع الناس والمتتبع لقضايا الأسر يلحظ ارتفاع نسبة الطلاق لأسباب يمكن علاجها قبل أن يُلجأ إلى الحل الأخير الذي هو الطلاق، وقبل أن تطلب الزوجة الطلاق وقبل أن تقول أيها الزوج: طالق تذكرا:
-أنكما أنتما من اختار ورضي بهذا الزواج ولم يُجبر أحد منكما عليه، فحري بكم أن ترضيا وتصبرا على هذا الاختيار وتصلحا كل ما بينكما من مشاكل وخلافات.
-وعليكما عدم العجلة في اتخاذ القرار فهو حياة زوجية وأبناء.
-وعندما تراودكما فكرة الطلاق فيمكن أن تؤجلا الموضوع لمدة من الزمن، ففي هذه المدة تتغير نفوس وتصلح أحوال وقد يحدث الله لكما أمراً تكون عاقبته لكما خيرا.
-كما أن عليكما ألا تطلبا الكمال فلكل منكما عيوب فلستِ أكمل الزوجات حتى تطلبي زوجاً مثالياً، ولست أنت أكمل الأزواج حتى تطلب زوجةً ملاكاً، وإن كرهتْ أو كرهتِ خلقاً ففيكما أخلاقاً أخرى جميلة يتمنها آخرون.
ثم ماذا بعد الطلاق؟
-هل ستحصلين على ذلك الزوج أو ستحصل على تلك الزوجة التي وضعها كل منكما في مخيلته؟
-وهل ستحصلان عليه قريباً أو بعد سنة أو بعد سنوات فيكون قد ذهبت فيها القوة والشباب والنشاط والجمال وبقي خلافها.
-وإن كان بينكما أبناء أو بنات أو كليهما فما هو مصيرهم ومن سيتولى تربيتهم بعدكما، فقد تتزوجين وقد تتزوج ويبقى الأبناء والبنات تحت رحمة وشفقة الآخرين غيركما؟
-فمن الحرص عليهم أن تصبرا على بعضكما وأن لا تفكرا بالطلاق لأسباب يمكن حلها والصبر عليها.
وتذكري أيتها الزوجة قبل أن تطلبي الطلاق أن الزوج هو الأكثر دواماً لك بعد الله، فلا الأم ولا الأب فضلاً عن الأخوان أو الأخوات وباقي الأقارب ستكون علاقتهم ومسئوليتهم عنك كعلاقة ومسئولية الزوج.
وأسالي من جلست سنين طوال تنتظر من يطرق الباب كائناً من كان، ولكن لم يطرق الباب أحد، وأسال أيها الزوج من طرق الأبواب ولم يفتح له باب أو فتح له باب تمنى فيما بعد أن لو لم يفتح.
ولا تظنا أن بيوت غيركما خالية من الخلافات الزوجية، ولو سلم أحد من ذلك لسلم بيت النبوة، فمن صبر وعفا، سارت أمورهم وحلت مشاكلهم وتربى أبنائهم، فقبلا أن تصلا إلى هذا القرار، ليتأمل كل واحد من الزوجين بصدق الحسنات والسيئات وليضعها في ميزان العدل، فمن غلبت حسناته سيئاته فهو على خير، والحسنات يذهبن السيئات.
ومن المعصوم وحاز الكمال من الأزواج والزوجات، فكل العيوب وكل النواقص يمكن أن تغتفر ويصبر عليها ويتكيف كل منكما عليها مع الآخر إلا ترك الصلاة، فسوء الخلق والجفوة والضعف الجنسي والسهر وكثرة الأعمال وقلة النفقة وسوء الطبخ وقلة الجمال كلها يمكن الصبر والتأقلم عليها والتكيف معها، ويحدث الله بعد عسرٍ يسرا.
وليس عيباً إن يكن الطلاق بعد محاولات للإمساك بالمعروف والصبر والإصلاح، ولكن عندما يحدث لمجرد هوى أو لأسباب تافهة فإنه يسبب صدمة نفسية لا تنسى لها آثارها السيئة على الزوجين، فتصبحا رجل مطلِق وامراة مطلقة.
وقبل الطلاق وبعد محاولة حل الأمور فيما بينكم وصعوبة ذلك فابعثا حكماً من أهله وحكماً من أهلها يصلحا ما قد فسد ويقوما ما قد أعوج، وإن لم تجدا فهناك الاستشارات الأسرية والعائلية ولجان الإصلاح في المحاكم الشرعية وغيرها من وسائل الإصلاح والتوفيق.
ومن يريد التوفيق فالله الموفق وهو الذي يجمع بينكما إن أردتما الإصلاح.
هل الزواج بأخرى هو الحل؟
عندما تبدأ المشكلات بين الزوجين وتزداد، قد يظن أحدهما أن الطلاق هو أسرع طريق للراحة، وقد يتخيل الزوج أن الزواج بامرأة أخرى سيمنحه حياة أفضل وينهي ما كان يعانيه. لكن المشكلة ليست دائمًا في الشخص، بل قد تكون في أسلوب التعامل، أو ضعف الحوار، أو تراكم الخلافات؛ ولذلك قد تتكرر المشكلات نفسها في الزواج الجديد بصورة أخرى.
والزوجة أيضًا قد تطلب الطلاق تحت ضغط الغضب أو كثرة الخلافات، ثم تكتشف بعد ذلك أن الواقع لم يكن كما تصورت، وأن الزوج الآخر ليس بالضرورة أفضل من زوجها الأول، وقد تكون ظروف حياتها الجديدة أصعب، خصوصًا إذا تزوجت رجلًا متزوجًا وأصبحت حياتها موزعة بين أيام وحضور وغياب.
أما الزوج الأول فقد عاشت معه سنوات، وعرفت طباعه وأخلاقه، وبينهما أبناء وبيت وذكريات ومسؤوليات مشتركة. لذلك فإن هدم الأسرة ينبغي ألا يكون قرارًا سريعًا، لأن آثاره لا تقع على الزوجين فقط، بل تمتد إلى الأبناء والأسرة كلها.
ولهذا فالأفضل أن يكون الطلاق آخر الحلول لا أولها، وأن يبذل الزوجان ما يستطيعان من حوار وإصلاح وتنازل ومعالجة حقيقية لأسباب الخلاف. فقد يكون إصلاح ما بينهما أيسر وأفضل من البحث عن حياة جديدة لا أحد يضمن أنها ستكون أفضل.
وأخيرا:
فليتذكر الزوجان قول الله تعالى: ( وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) آل عمران/133-134.
ماذا قال الله تعالى بعدها: ( أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ )آل عمران/136
فيا أيها الزوج ويا أيتها الزوجة من يريد مغفرة الله وجنة عرضها السماوات والأرض، فاكظموا غيظكم، واعفوا عن بعضكم، وتقاربوا فيما بينكم، فالله يحب المحسنين.
تنازلوا لله تعالى تنازل صدق، وحافظوا على الحياة الزوجية، وحافظوا على أبنائكم وقوموا بتربيتهم، يكتب الله لكم الأجر مرتين ويعطيكم عطاء جميلا من فضله لتنازلكم لبعضكم لوجه الله تعالى.