يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

قال الله عز وجل بعد أن ذكر حال الناس يوم القيامة، وانقسامهم إلى آخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، قال سبحانه وتعالى: ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ )الحاقة:38-43.

ما معنى قوله تعالى: ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ )؟

يقسم الله سبحانه وتعالى بما تبصرون وما لا تبصرون، أي بما تشاهدون وما لا تشاهدون، فما نشاهده من الآيات والدلائل والبراهين الدالة على عظمة الله وقدرته، وعلى عظيم سلطانه، شيء عظيم.
فالإنسان يشاهد في السماوات والأرض، اختلاف الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم والكواكب، وغيرها مما يكون في السماء من السحاب والرياح ونزول الأمطار، وما يكون في الأرض من الآيات التي يراها الناس كل يوم، وكثير من الناس يرى الآيات ولا ينتبه ولا يتعظ.

وهناك أشياء لا نشاهدها وهي موجودة، ولكننا لا نراها، ونحن نؤمن بها لأنها من الغيبيات، مثل الأمراض والأوبئة والميكروبات، كان الناس لا يرونها، فلما اخترعت المكبرات صاروا يرون عالماً عجيباً، يتكاثر وينتقل، وقد يقتل الإنسان وهو شيء لا يرى بالعين.

كما مر معنا في الفيروس الذي حصل، فيروس كورونا، شيء لا يرى بالعين، ومع ذلك له خطر وله أثر، سبحان الله العظيم.

وهناك ما لا نشاهده من الأمور الخفية الدالة على عظمة الله، ولا يزال الإنسان يكتشف في الأرض أموراً عجيبة بعد مئات السنين وآلاف السنين، في الجبال والبحار والسهول وفي النبات والحيوان.

فالله تعالى يقسم بكل هذه المبصرات التي نراها، والتي لا نراها، أن هذا القرآن هو قول الرسول الكريم .

لماذا نسب الله القرآن إلى الرسول ؟

قال تعالى: ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) أي ما يتكلم به هذا الرسول هو كلام كريم، أي كلام جميل، كلام بهي، الذي يأخذ بالعقول والألباب، وهو كلام الله عز وجل، لكن أجراه الله عز وجل على لسان رسوله ، ولذلك نسبه إليه، وإن كان الله تعالى هو القائل له.

وفي سورة التكوير نسب الله سبحانه وتعالى نسب القرآن إلى حامله جبريل عليه الصلاة والسلام، فقال تعالى: ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ )التكوير:19-21، هذا جبريل عليه الصلاة والسلام، الرسول الملكي، نسبة للملائكة، لأنه هو الذي كان ينزل بكلام الله على نبيه .

قال تعالى: ( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ )الشعراء:192-195.

فجبريل عليه الصلاة والسلام كان يسمع كلام الله عز وجل، يسمع القرآن، وينزل به على قلب محمد ، هوالرسول وهو الواسطة بين الله وبين أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، كما أن الرسل هم وسائط بين الله وبين الخلق، يبلغون الخلق أوامر الله ونواهيه، وحكمه وأحكامه ومواعظه وغير ذلك.

والرسول يوصف بأنه أمين، أي ذو أمانة، لا يزيد ولا ينقص، ينقل الرسالة كما هي، بدون نقص ولو حرف واحد، فهو رسول أمين.

هل القرآن شعر أو كهانة؟

قال تعالى: ( وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ )، فالقرآن ليس بشعر، وكل من يعرف الشعر ويسمع الشعر ويؤلف الشعر، يعرف أن القرآن ليس شعراً، فالقرآن الكريم لا يستوي على أوزان الشعر، ولا يركب على أوزان الشعر، والشعراء أنفسهم يعرفون هذا.
والذي حمل الكفار على أن يقولوا إن القرآن شعر، هو عدم الإيمان، وعدم الإذعان لله تعالى ولرسوله .

وقال عز وجل: ( وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ )، فالقرآن ليس كلام كاهن، الرسول ليس بكاهن، والكهانة والكهنة أبعد ما يكونوا عن صفات المرسلين.

-الرسل عليهم الصلاة والسلام يوصفون بمكارم الأخلاق، ويوصفون بحسن الخلق، والأمانة، والديانة، والخوف من الله عز وجل، والرحمة بالخلق.

-أما الكهنة فليسوا كذلك، ليس عندهم أمانة، بل يكذبون لأجل أن يأكلوا أموال الناس بالباطل، ويفترون على الله الكذب، ويخونون ويسرقون، الكهنة هم أخبث الناس، وأبعد الناس عن الصراط المستقيم، أبعد الناس عن الإستقامة.

-الرسول أبعد ما يكون في أخلاقه وأوصافه عن الكهنة، فلم يعرف بالكهانة لا قبل الوحي ولا بعده، ولكن هذه من الدعايات الفاسدة التي أطلقها عليه أعداء الله من شياطين الإنس والجن.

ما معنى قوله تعالى: ( تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ )؟

هذا حقيقة القرآن، القرآن تنزيل من رب العالمين سبحانه وتعالى، وأنه من عند الله، وأنه منزل من عند الله.
وفي هذا فائدة عظيمة: أن كل آية فيها ذكر التنزيل من عند الله، فيها إثبات علو الله سبحانه وتعالى، وهذه من الأدلة التي استدل بها علماء الأمة وأئمتها على علو الرب على خلقه، وأن الله عال على كل شيء.

لأن التنزيل يكون من الأعلى إلى الأسفل، وهذا دليل على استواء الله تعالى على عرشه، وعرشه سبحانه وتعالى أعلى من سماواته، والله استوى وعلا على عرشه، فهو العالي على كل شيء.

-وجاء في حديث النبي في تفسير قوله تعالى: ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ )، قال عليه الصلاة والسلام: “وأنت الظاهر فليس فوقك شيء”رواه مسلم، فليس فوق الله شيء، فربنا فوق عرشه، استوى وعلا، وهو عز وجل أيضا له علو القهر، الله عز وجل قهر جميع الموجودات، فهو القاهر فوق عباده سبحانه وتعالى.

فنستفيد من قوله تعالى: ( تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) أن القرآن نزل به جبريل من عند الله تعالى على قلب نبيه محمد .

ما معنى قوله تعالى: ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ )؟

قال عز وجل: ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ )الحاقة:44-47.
يعني لو أن محمداً ، وحاشاه عليه الصلاة والسلام، افترى على الله شيئاً، فقال: الله يأمركم أن تفعلوا كذا، أو الله حرم عليكم كذا، وهو لم يحرمه، لأخذه الله بيمينه، وانتقم منه، وعاقبه.

-وفي قوله تعالى: ( لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ) إثبات صفة اليمين لربنا عز وجل، وجاء في كلام الرسول إثبات صفة اليمين، قال عليه الصلاة والسلام: “كلتا يديه يمين”رواه مسلم.

ومعنى كلتا يديه يمين، أي كلتاهما توصفان بالقوة، والعطاء، والشدة، والأخذ، وليس مثل الإنسان الضعيف، فالإنسان يده اليمنى قوية، واليسرى أضعف منها، أما الله عز وجل فكلتا يديه يمين، سبحانه وتعالى.

وقد قال النبي : “أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم ينقص شيئاً مما في يمينه”رواه البخاري ومسلم، فهذا ملك الله سبحانه وتعالى، ملك عظيم.

فلا تستكثر على الله عز وجل إذا دعوته وسألته، فإن بيده خزائن السماوات والأرض، كم أعطى خلقه سبحانه وتعالى، ولكن عطاؤه عز وجل بحكمة وتقدير.

قال الله تعالى: ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ )الشورى:27، فليس كل إنسان يصلح للغنى والمال،ليس كل إنسان يصلح للمال، يعني مثل عندنا واحد عمره ثلاث سنوات أو أربع سنوات هل نعطيه مال، لا ما نعطيه مال لأنه لا يحسن التصرف، وهذا ليس خاصًا بالأطفال لا، حتى هناك رجال لا يحسنون التصرف بالمال هذا معروف، ولهذا ينزل الله عز وجل رزقه بقدر.

ما هو الوتين؟

قال تعالى: ( ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ )، والوتين عرق متصل بالقلب، إذا قطع مات الإنسان، فهو أحد الشرايين المتصلة بالقلب.
يقول الله تعالى لو أن نبيه، وحاشاه، تقول على ربه شيئاً، لأخذه الله عز وجل بيمينه، ولقطع عنه الوتين، ولا يستطيع أحد أن يدافع عنه، قال تعالى: ( فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ )، أي لا يقدر أحد أن يقف بينه وبين عقوبة الله عز وجل.

وهذا من أعظم الأدلة على صدق الرسول محمد ، فإن الله عز وجل يقول عنه: لو أن هذا النبي تقول علينا شيئاً لعاقبناه، وأهلكناه، وقطعنا عنه الوتين، ومع ذلك مكث النبي ثلاثاً وعشرين سنة، يقول للناس: قال الله، أمر الله، نهى الله، حرم الله، ثلاث وعشرين سنة والله يؤيده، والله ينصره على أعدائه، والله يجري على يديه البراهين والأدلة على صدقه، فهل هناك أعظم من هذه الأدلة.

في حين الكذاب حين يكذب على الناس يفتضح خلال أيام، يعطيه الله عز وجل فرصة لعله يرجع ويتوب لكن إذا استمر في الكذب يفضحه الله، فكيف إذا كذب على الله،وقد أهلك الله عز وجل كثيراً من مدعي النبوة، فإن من يكذب على الله لا يتركه الله، بل تنزل به عقوبة الله عز وجل، وقد حصل هذا في كثير من مدعي النبوة، وهذا كله من الأدلة على صدق الرسول .

ما وصف القرآن في ختام السورة؟

قال الله عز وجل مادحاً كتابه: ( وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ )الحاقة:48، فكتاب الله عز وجل تذكرة، يذكر الإنسان بالعقائد الصحيحة، ويذكره بما يجب أن يعتقد في الله عز وجل، وفي أسمائه وصفاته، ويذكره بالأخلاق الحسنة، ويذكر بالآداب الطيبة، ويذكر بالحلال والحرام.
فالقرآن تذكرة، فإذا أردت أن تتذكر وتتعلم فاقرأ القرآن، لكن لا ينتفع بالقرآن إلا المتقون، وأما غير المتقين فيقرؤونه ولا يستفيدون، لأنهم يقرؤون ولا يعملون، ويقرؤون ولا يتبعون.

-قال تعالى: ( وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ )الحاقة:49، أي مع هذا البيان وهذا الوضوح، سيكون هناك مكذبون، فيوجد ناس ملاحدة، ويوجد كفرة، ويوجد من يطعن في القرآن مع هذا البيان الواضح.

-وقال تعالى: ( وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ )الحاقة:50، أي يكون القرآن حسرة على الكافرين يوم القيامة، إذا رأوا الحق ورأوا الحقائق، فإنهم يتحسرون في ذلك اليوم، يوم الحسرة، يوم يتحسر الظالم والمفرط والكافر على ما فرط في جنب الله، ولكن في ذلك اليوم لا تنفع الحسرة.

ما معنى قوله تعالى: ( وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ )؟

قال تعالى: ( وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ )الحاقة:51، أي أن القرآن حق اليقين، ليس فيه شك ولا ريبة.
يقول العلماء اليقين هو العلم الجازم، وله ثلاث درجات:
أولا – علم اليقين: وهو إذا جاءك خبر لا تشك فيه، فالقرآن علم اليقين، والسنة النبوية علم اليقين، لأن الخبر فيهما لا شك فيه ولا ريبة.

ثانيا – عين اليقين: وهو إذا رأيت الخبر أمامك بعينيك.

ثالثا – حق اليقين: وهو إذا لمسته، أو أكلت منه، أو دخلت فيه وشربت، فإذا دخل أهل الجنة الجنة صاروا في حق اليقين، وهي أعلى درجات اليقين.

-فالله تعالى يقول عن القرآن: ( وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ )، أي أعلى درجات اليقين، فلا شك فيه بوجه من الوجوه.

ما معنى قوله تعالى: ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ )؟

ختم الله تبارك وتعالى السورة بقوله: ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ )الحاقة:52، فأمر سبحانه وتعالى بالتسبيح، والتسبيح هو التنزيه، أي تنزيه الله عز وجل عما لا يليق به من الأقوال والأفعال والصفات.
فسبحان الله معناها تنزيه الله عما لا يليق به، وكل نقص يتنزه عنه المخلوق، فالخالق أولى أن يتنزه عنه، كالعمى، والصمم، والبكم، والجهل، والنسيان، والظلم، والمرض، والموت، فكل هذه نقائص يتنزه الله عز وجل عنها.

من حجج إبراهيم على قومه وعلى أبيه كما قال تعالى: ( إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا )مريم:42، كيف إذا تصف الله عز وجل بأنه لا يسمع ولا يبصر الله عز وجل.

-وأعظم الناس تنزيهاً لله هم أهل السنة والجماعة، الذين يثبتون لله كل ما أثبته لنفسه، فيثبتون له السمع، والبصر، والقدرة، والإرادة، والكلام، والاستواء على العرش، واليد، والوجه، كما أثبته الله لنفسه، وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه من صفات النقص، من الجهل، والنسيان، والظلم، والفناء، والموت، وما أشبه ذلك.

وتسبيح الله سبحانه وتعالى عبادة عظيمة، وهي كلمات يقولها الإنسان ويرددها، فينال بها أجراً عظيماً عند الله عز وجل، ومقاماً رفيعاً، قال النبي : “كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم”البخاري ومسلم.