البخل خلق مذموم شرعا وطبعا، وقد قال الله تعالى : ”وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ”الحشر9، ولذلك رئي أحد السلف في الحرم لا يجاوز هذا الدعاء، فلما قيل له في ذلك ، فأجاب : أليس من وقي شح نفسه كان من المفلحين!!
ولا شك أن مصيبة البخل تكون أقبح عند من تعود الكرم، وتطبع على الجود فلا شك أنه سيرى البخل آفة الآفات حينئذ.
وقد يكون اعتذار الخاطب مقبول، فقد يكون مشغول الهم بإعداد بيت الزوجية ، ويرى مثلا أن الهدايا ستعيقه ، أو ستؤخر موعد زفافه ، وهو يريد أن يهنأ بزوجته وأن يتعجل اللقاء، وقد يرى أنه لو أتى بهدية بسيطة قد يفسر هذا على أنه بخل منه ، قد يكون هذا وقد يكون غيره ، وقد يكون ما تظن المخطوبة.
والأمر سهل عليها أن تؤخر العقد إلى الوقت الذي يتبين لها فيه الأمر بوضوح وجلاء.
ماذا تفعل من ترددت باكمال الزواج لبخل خطيبها؟
من ذميم الصفات التي يتصف بها الإنسان صفة البخل .
وقد روى البخاري عَنْ جَابِرٍ قَالَ: “من سيِّدُكم يا بني سلمةَ ؟ قلنا : جدُّ بنُ قيسٍ على أنَّا نُبخِّلُه، قال : و أيُّ داءٍ أَدْوَى من البخلِ ؟ بل سيِّدُكم عمرو بنُ الجموحِ”.
وعن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: “اتَّقوا الظُّلمَ؛ فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، واتَّقوا الشُّحَّ؛ فإنَّ الشُّحَّ أهلَك من كان قَبلَكم، حمَلَهم على أن سفَكوا دماءَهم، واستحَلُّوا محارِمَهم”.
وكان النبي ﷺ يدعو بـ : (اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ) البخاري،ومسلم .
-لكن ، ومع ذلك ، فليس من شك أيضا : أنه ما من الناس من نستطيع أن نحكم عليه أنه حسن الأخلاق والصفات في كل شيء ، إذ لا بد في العادة أن يوجد النقص ، ويعتري الإنسان بعض العيوب ، وإذا غلب على الشخص محاسن الصفات ، وعرف بها في قوله وفعله ، فإن مثل هذا يغفر له هذه النقائص التي تعتري الإنسان عادة .
ولهذا حذر النبي ﷺ الزوج ، أو الزوجة ، من النظر إلى جانب النقص في شخص الآخر ، والمبالغة في ذلك ، بما يؤدي إلى فساد ذات البين ، واستحكام النفرة بينهما .
روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “لَا يَفْرَكْ [أي : لا يبغض] مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً ، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ” .
فليس هناك عادة من تكمل جميع صفاته الحسنة .
-وقد تكون المخطوبة ترى في صفات البخل لدى الخاطب ليس كافيا لوصفه بالبخل ، فقد يكون الذي يمنعه من مساعدتها بالمال أنه يرى أنه لا يكون شيء من ذلك حتى يتم عقد النكاح ، أما مجرد الخطبة فأنت أيتها المخطوبة لا زلت امرأة أجنبية عنه ، وقد يكون حياؤه هو الذي يمنعه من ذلك … وهناك أسباب كثيرة لمثل هذا التصرف .
والذي ننصح به هو التأكد من هذه الصفة ، وذلك بالسؤال عنه وملاحظة تصرفاته حتى يكون الحكم صحيحا .
فإن ثبت أنه ليس كذلك ، فالحمد لله.
هل البخل عذر لفسخ الخطوبة؟
وإن ثبت للمخطوبة أن الخاطب بخيل فحينئذ تقارن بين حسناته وبين صفة البخل التي وجدتها عنده ، وهل بخله شديد بحيث يتعذر عليها الحياة معه والزواج منه ، أم هو شيء يسير يمكن التجاوز عنه ولا يلتفت إليه؟
ويجب على المخطوبة أن ترى البخل في حقيقته وليس أن تتهيأ لها تصرفات تجعلها تصفه بالبخيل.
ولتعلم المخطوبة أن الشيطان قد يوسوس للإنسان ليصده عن الخير الذي أمامه ، فلتكثر الاستعاذة من الشيطان الرجيم ، ولتكثر من دعاء الله تعالى أن ييسر لها الخير ويلهمها رشدها .
ذم البخل في القرآن والسنة؟
البخل في القرآن:
-قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾التوبة35.
-وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾آل عمران180.
-وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ النساء37.
-وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾الحديد24.
-وقال تعالى: ﴿ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾محمد38.
-وقال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾الليل8.
البخل في السنة:
-عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: “السخيُّ قريب مِن الله، قريب من الجنة، قريب مِن الناس، بعيد من النار، والبَخيل بعيدٌ مِن الله، بعيد من الناس، قريب مِن النار، ولَجاهل سخيٌّ أحب إلى الله عز وجل من عابد بخيل.
-كان ﷺ يستعيذ بالله منه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يَدعو: “أعوذُ بك مِن البُخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات.
-أخبر ﷺ أنه لا يَجتمع الشحُّ مع الإيمان في قلب مسلم؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: “لا يَجتمِع غبارٌ في سبيل الله ودخان جهنَّم في منخرَي رجل مسلم، ولا يَجتمِع شحٌّ وإيمان في قلب رجل مسلم”.
-من أجل ذلك نفى رسول الله ﷺ دخوله الجنَّة؛ فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “لا يدخل الجنة بخيل ولا خبٌّ ولا خائن…”،
-وعن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ: “خلَقَ الله جنَّة عدن بيده، ودلَّى فيها ثمارها، وشقَّ فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال: قد أفلح المؤمنون، قال: وعزَّتي لا يُجاورني فيكِ بخيل”.
-عن أبي هريرة، يبلِّغ عن النبي ﷺ قال: “مثَلُ المُنفِقِ والبخيلِ كمثَلِ رجُلينِ عليهما جُنَّتانِ مِن لدُنْ تَراقيهما إلى ثَدْيَيْهما فأمَّا المُنفقُ فإذا أراد أنْ يُنفِقَ مادَّتْ عليه واتَّسعَتْ حتَّى تبلُغَ قدمَيْهِ وتعفوَ أثَرَه وأمَّا البخيلُ فإذا أراد أنْ يُنفِقَ أخَذَتْ كلُّ حلقةٍ موضعَها ولزِمَتْ فهو يُريدُ أنْ يوسِّعَها ولا تتَّسِعُ”.