الاحتكار :هو حبس السلع عن الناس ، والتضييق عليهم ، والإضرار بهم ، ثم إخراجها وقت رفع الأسعار ، مثل هذا النوع من الاحتكار حرام إذا كان في سلع الناس الضرورية والأساسية.

أما قيام أحد التجار الصغار بتخزين كمية من السلع الغذائية وقت توفرها في السوق ، أو قيام أحد الفلاحين بتخزين شيء من محصوله، ثم إخراج ذلك وقت قلة هذه السلع ، وزيادة سعرها فلا بأس به ؛ لأن زيادة السعر لم تكن بسبب تخزينه ، ولكنها كانت بسبب نفاد السلع التي كان يقوم بعرضها الفلاحون ، ولم يبق إلا ما بأيدي التجار ، والسلع يغلو ثمنها عند كثرتها ، وتنخفض قيمتها عند ندرتها

شروط الاحتكار المحرم؟

الاحتكار المحرم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط هي:
الشرط الأول :-
أن يشتري من السوق نفسه ، فإذا قام باستيراده من خارج البلدة أو الأسواق فلا يكون مضيقا عليهم ، بل يكون نافعا لهم ، لأنه لم يضرهم ، ولم يضيق عليهم ، وكذلك لو حصل على هذه السلعة عن طريق زراعته واستثماره بنفسه .
فقد قال ابن قدامة في المغني مبينا الشرط الأول :-
أن يحصل المحتكر على السلعة عن طريق الشراء، فلو جلب شيئا , أو أدخل من غلته شيئا , فادخره , لم يكن محتكرا . روي عن الحسن ومالك وقال الأوزاعي الجالب – أي المستورد – ليس بمحتكر ; ولأن الجالب لا يضيق على أحد , ولا يضر به , بل ينفع , فإن الناس إذا علموا عنده طعاما معدا للبيع , كان ذلك أطيب لقلوبهم من عدمه .

الشرط الثاني:-
أن تكون السلعة المحتكرة من الأشياء الضرورية والأساسية للناس مثل الأقوات ، فأما الأشياء التي ليست أساسية كالزيت ، ولعب الأطفال ، فلا يدخل فيه احتكار ، وهذه الأمور تختلف باختلاف أعراف الناس ، فقد يكون الشيء ضروريا عند قوم ، ولا قيمة له عند آخرين .
يقول ابن قدامة مبينا الشرط الثاني :-
أن يكون المشترى قوتا . فأما الإدام , والحلواء , والعسل , والزيت , وأعلاف البهائم , فليس فيها احتكار محرم . قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يسأل , عن أي شيء الاحتكار ؟ قال : إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره . وهذا قول عبد الله بن عمرو . وكان سعيد بن المسيب وهو راوي حديث الاحتكار – يحتكر الزيت .
قال أبو داود: كان يحتكر النوى , والخيط , والبزر ولأن هذه الأشياء مما لا تعم الحاجة إليها , فأشبهت الثياب , والحيوانات .

الشرط الثالث:-
أن يحصل من وراء الاحتكار تضييق وضرر بسوق المسلمين ، كأن يكون في بلد ضيق يتأثر باحتكاره ، أو يكون المحتكر مستثمرا من كبار المستثمرين ، الذين يتأثر السوق بمثلهم ، أو يتحالف المستثمرون على التضييق بسوق الناس .
أو أن يتم الاحتكار وقت الشدة وقلة البضائع ليزيدوا الناس شدة إلى شدتهم ، ويزيدوا في رفع الأسعار ، أو يقوم المستثمرون بحبس السلعة من منابعها الأصلية ، فيقع الناس في حرج عظيم ، وكلما ظهر شيء في السوق بادروا إليه وحبسوه .

يقول ابن قدامة في المغني مبينا الشرط الثالث :-
أن يضيق على الناس بشرائه . ولا يحصل ذلك إلا بأمرين:

أحدهما , يكون في بلد يضيق بأهله الاحتكار , كالحرمين , والثغور . قال أحمد : الاحتكار في مثل البلاد الواسعة ليس حراما ; لأن ذلك لا يؤثر فيها غالبا .

الثاني , أن يكون في حال الضيق , بأن يدخل البلد قافلة فيتبادر ذوو الأموال فيشترونها , ويضيقون على الناس . انتهى

أما إذا قام أحد التجار الصغار بحبس بعض السلع عن الناس في الأسواق الكبيرة التي لا يتأثر فيها الناس ، فلا شيء في ذلك ، ومعروف أن السلع مثل الأرز ينخفض ثمنه عند حصاده لكثرة المعروض منه ، ويرتفع في غير موسم الحصاد لقلة المعروض .

يقول ابن قدامة:

فأما إن اشتراه في حال الاتساع والرخص , على وجه لا يضيق على أحد فليس بمحرم .

حكم الاحتكار؟

يقول الدكتور يوسف القرضاوي:
نهى النبي – – عن الاحتكار بعبارات شديدة زاجرة، فقال: ” من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه “رواه أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والبزار وأبو يعلى . قال المنذري في الترغيب: وبعض أسانيده جيد.

وقال – -: ”لا يحتكِرُ إلَّا خاطِئٌ ” (رواه مسلم). وليست كلمة خاطئ هذه كلمة هينة . إنها الكلمة التي دمغ بها القرآن الجبابرة العتاة: فرعون وهامان وجنودهما فقال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ).القصص8.

وقد أبان النبي – – عن نفسية المحتكر وأنانيته البشعة فقال: ” بئس العبد المحتكر، إن سمع برخص ساءه، وإن سمع بغلاء فرح . (ذكره رزين في جامعه).
وقال: ” الجالب مرزوق والمحتكر ملعون ” (رواه ابن ماجة والحاكم).

ومن الأحاديث الهامة في شأن الاحتكار والتلاعب بالأسعار ما رواه معقل بن يسار صاحب رسول الله – -، حين أثقله المرض فأتاه عبيد الله بن زياد (الوالي الأموي) يعوده فقال له: هل تعلم يا معقل أني سفكت دمًا حرامًا ؟ قال: ما علمت . ثم قال معقل: أجلسوني فأجلسوه ثم قال: اسمع يا عبيد الله حتى أحدثك شيئًا ما سمعته من رسول الله – – غير مرة ولا مرتين ،سمعت رسول الله - -يقول: ” من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقًا على الله تبارك وتعالى أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة ” قال: أنت سمعت من رسول الله – – ؟ قال: غير مرة ولا مرتين. (رواه أحمد والطبراني).

ومن نصوص هذه الأحاديث وفحواها استنبط العلماء أن تحريم الاحتكار مشروط بأمرين .

أولهما: أن يكون ذلك في بلد يضر الاحتكار بأهله في ذلك الوقت.
وثانيهما: أن يكون قصده بذلك إغلاء الأسعار على الناس، ليضاعف ربحه هو.