فرض الإسلام الرحمة بالحيوان عند ذبحه، واختار الوسائل التي لا تؤلم الحيوان عند الذبح، فإن ظهر لنا وسائل أخرى تحقق مقصود الشارع من إراحة الحيوان وعدم تعذيبه أو إحساسه بالألم عند الذبح فلا مانع منها، بشرط ألا يكون فيها ضرر على الحيوان أو على الإنسان عند أكله الحيوان المذبوح ، وألا تسبب هذه الوسائل الوفاة للحيوان المذبوح قبل ذبحه .
الضوابط الشرعية لذبح الحيوان؟
يقول فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي:
إن الإسلام حين اختار طريقته في تذكية الحيوان، بحيث يحل أكله: إنما كان ذلك لأنها كانت أفضل الطرق لإزهاق روح الحيوان من غير تعذيب له، وتخفيف الألم عنه بقدر الإمكان.
فالإسلام يحرم القسوة على الإنسان والحيوان، كما يوجب الرحمة بالإنسان والحيوان، ويقول: “الرَّاحِمونَ يرحَمُهم الرَّحمنُ تبارَك وتعالى؛ ارحَموا مَن في الأرضِ يرحَمْكم مَن في السَّماءِ”أبو داود، الترمذي.
وكما أوجب الرحمة أوجب الإحسان والإتقان في كل عمل يعمله المسلم “إنَّ اللَّهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلةَ وإذا ذبحتُم فأحسِنوا الذِّبحةَ وليُحدَّ أحدُكم شفرتَهُ وليُرِح ذبيحتَه”مسلم،أبوداود،الترمذي.
ولهذا اشترط أن يذبح في رقبته، ولا يهشم رأسه، أو يخنق بحبل، أو يضرب حتى يموت، أو يهمل حتى يتردى من شاهق، أو نحو ذلك، فكل هذه تعتبر (ميتة) لا يحل أكلها كما نص القرآن في قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) المائدة/3
ومن الإحسان الواجب: أن يحد الذابح شفرته، وأن يريح ذبيحته، ومن آداب الذبح: ألا يحد الشفرة أمام البهيمة، وألا يذبح بهيمة أمام أخرى .
وقد اختار الإسلام الذبح في الرقبة، وقطع الودجين؛ لأنه أقرب الطرق لقتل الحيوان، لا سيما بالآلة الحادة، ونهى عن الذبح بعظم أو ظفر، أو نحوها .
هل يجوز تخدير الحيوان قبل ذبحه؟
لا نقبل نحن المسلمين أن نتهم بأننا قساة على الحيوان، ولكن لو وجدت وسائل تخفف عن الحيوان ألم الذبح، وتعين على راحته، فهذا يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في الرحمة بالحيوان .
ولذا يرحب التشريع الإسلامي بأي إضافة إلى هذه الطريقة تزيد من راحة الحيوان، وتخفف من ألمه، مثل إعطائه حقنة أو جرعة من عقار مخدر، ما دام هذا العقار لا يعجل بموته قبل أن يذبح، ولا يضر به ولا بالإنسان الذي سيأكل لحمه بعد ذلك. فهذا يتفق مع توجه التشريع الإسلامي في إراحة الحيوان والرفق به. ولا ضرر فيه ولا ضرار. ومثل هذا لا يرفضه الشرع، ولا ينكره الفقه، إلا إذا ثبت ضرره على الإنسان أو الحيوان، فيمنع للضرر. فلا حرج في ذلك ولا بأس، لأنه من باب الإحسان بالحيوان الذي كتبه الله تعالى وفرضه، وليس له أثر جانبي ضار، إذ لا ضرر ولا ضرار. وهو أشبه بتخدير الإنسان قبل إجراء العملية الجراحية له، رفقا به، ورحمة له .
-وقد صح في الأحاديث:
-أنَّ رجلًا وجد كلبًا يَلْهَثُ من العطشِ فنزل بئرًا فملأ خُفَّهُ منها ماءً، فسقى الكلبَ حتى رَوِيَ. قال الرسولُ : فشكر اللهُ له فغَفَر له فقال الصحابة : إِنَّ لنا في البهائمِ لَأَجْرًا يا رسولَ اللهِ ؟ قال : فى كلِّ كَبْدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ”البخاري،مسلم،أبو داود.
-كما أخبرنا عليه الصلاة السلام: “بينَما كَلبٌ يُطيفُ برَكيَّةٍ، كادَ يَقتُلُه العَطَشُ، إذ رَأته بَغيٌّ مِن بَغايا بَني إسرائيلَ، فنَزَعَت مُوقَها فسَقَته، فغُفِرَ لها به”البخاري،مسلم.
-وعن سهل ابن الحنظلية الأنصاري رضي الله عنه قال: “مرَّ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ببعيرٍ قد لحِقَ ظهرُهُ ببطنِهِ فقالَ اتَّقوا اللَّهَ في هذهِ البهائمِ المعجمةِ فاركبوها صالحةً وكلوها صالِحَةً”أبو داود،أحمد.