يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-:
كون الإسلام قام بالدعوة لا بالسيف قطعي لا ريب فيه، وأما قوله : “أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشهَدوا أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، ويُقيموا الصَّلاةَ، ويُؤتوا الزَّكاةَ، فإذا فعَلوا ذلك عَصَموا مِنِّي دِماءَهم وأموالَهم إلَّا بحَقِّ الإسلامِ، وحِسابُهم على اللهِ”البخاري ومسلم، فقد ورد في مشركي العرب الذين لم تقبل منهم الجزية بعد الإذن بقتالهم، وما أذن للمسلمين بقتالهم إلا بعد أن آذوا النبي ومن معه، وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، وقعدوا لهم كل مرصد، ووقفوا في سبيل الدعوة، فلم يكن الإذن إلا للدفاع عن الحق، وحماية الدعوة كما بيناه مرارا.

وليس الغرض من الحديث بيان أصل مشروعية القتال، فإن هذا مبين في الكتاب العزيز بمثل قوله تعالى: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ )الحج:39، وقوله تعالى: ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) البقرة:190، وإنما الغرض منه بيان أن قول لا إله إلا الله كاف في حقن الدم، وإن لم يكن القائل لها من المشركين معتقدا؛ لأن الأمر في ذلك يبنى على الظاهر.

وهذا بالنسبة إلى وقت القتال، ولكنه بعد ذلك يؤمر بالصلاة والزكاة، فإن امتنع عن قبولهما لا يعتد بإسلامه، كما يؤخذ من رواية “حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة” وهو في الصحيحين على غرابته؛ لأن شعبة تفرد بروايته عن واقد، وقد عد من الإشكال فيه أن يكون راويه ابن عمر مع ما علم من محاجة عمر لأبي بكر في قتال مَانِعِي الزكاة، ولم يحتج به عمر ولا ابنه قاله له، وأجاب ابن حجر عن هذا باحتمال نسيان عبد الله له في ذلك الوقت.

ومما يؤيد قولنا أَنَّ الحديث خاص بالمشركين وإن كان لفظه عامًّا؛ رواية النسائي له بلفظ:”أُمِرتُ أن أقاتلَ المشرِكينَ حتَّى يشهَدوا أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، فإذا شَهِدوا أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وصلَّوا صلاتَنا، واستقبلوا قبلتَنا، وأَكَلوا ذبائحَنا، فقد حرُمَتْ علينا دماؤُهُم وأموالُهُم إلَّا بحقِّها”، وقد علمت أن المراد بيان غاية القتال لا مشروعيته، وأن سبب مشروعيته الدفاع وتأمين الدعوة ومنع الفتنة، لا الإكراه على الدين المنفي بنص القرآن الحكيم.

شبهة إنتشار الإسلام بحد السيف؟

يدعي بعض أعداء الإسلام أن الحروب في الإسلام كانت لإجبار غير المسلمين على الدخول في الإسلام، وأن الذين اعتنقوا الإسلام دخلوا فيه بالإكراه والقهر، لا عن اقتناع وتسليم.
وزعموا أن السيرة النبوية شاهدة على انتشار الإسلام بحد السيف، وأن الغزوات التي غزاها الرسول كان الهدف منها إجبار الناس للدخول في الإسلام عنوة.

وهذه الافتراءات مردود عليها للآتي:

1- مكث النبي في مكة المكرمة يدعو بالحجة والحكمة والموعظة الحسنة بلا قتال أو إراقة نقطة دم واحدة.

2- دخل الإسلام إلى أهل يثرب “المدينة النبوية” بلا قتال؛ لأن سادتهم أقتنعوا بالإسلام حين عرضه عليهم النبي فبايعوه بيعتي العقبة الأولى والثانية، ثم أرسل إليهم مصعب بن عمير، فاجتهد في دعوة أهل المدينة حتى دخل معظمهم في دين الإسلام.

3- إن الحروب الإسلامية في العصر النبوي غالبها لم يكن بمبادرة من المسلمين؛ فقد غزي المسلمون مثلا في بدر وأحد والأحزاب، وأما غزوات اليهود وفتح مكة ومؤتة وتبوك وغيرها، فكانت تأديبا لمن خانوا العقود، وخالفوا العهود والمواثيق، وبدؤوا بالاعتداء أو قتلوا رسل رسول الله .

4- كان المسلمون يدخلون في الغالب في معارك غير متكافئة من حيث العدد والعدة؛ حيث كان خصمهم يتفوق عليهم تفوقا ساحقا، ففي غزوة مؤتة مثلا نجد أن عدد جنود المسلمين ثلاثة آلاف رجل، في حين كان عدد جيش الخصم مائتي ألف مقاتل؟ فهل سعى ثلاثة آلاف مسلم في فرض الإسلام على مائتي ألف شخص؟

5- إن العقائد لا تستقر في النفوس تحت وطأة السيف والقهر؛ وإنما تستقر بالإقناع وبالحجة الواضحة، ولو كانت الشعوب قد دخلت في الإسلام مجبرة فسرعان ما كانت تمردت عليه ولفظته، ولكن الحقيقة التي يشهد لها التاريخ والواقع أن الشعوب الإسلامية هي أكثر الشعوب تمسكا بدينها رغم ما تعانيه من اضطهادات وحروب في كثير من أنحاء العالم.

6- إن تشريع الجهاد لم يكن لإرغام أحد على الدخول في الإسلام؛ وإنما لإقامة الحق، ورد الظلم، وتأمين المسلمين، وإزالة كل العقبات من سبيل الدعوة، ورد كل عدوان يقع على الإسلام والمسلمين.

7- من نصوص الشرع ما يشهد على عدم الإكراه والإجبار في الدين؛ كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾البقرة:256، وقوله تعالى: ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾يونس: 99.

هل أجبر المسلمون غيرهم على اعتناق الإسلام؟

يقول الشخ ابن باز -رحمه الله تعالى -:
هذا القول على إطلاقه باطل، فالإسلام انتشر بالدعوة إلى الله تعالى وأيد بالسيف، فالنبي بلغ الإسلام بالدعوة بمكة ثلاثة عشر عاما، ثم في المدينة قبل أن يؤمر بالقتال، والصحابة والمسلمون انتشروا في الأرض ودعوا إلى الله، ومن أبى جاهدوه؛ قال تعالى: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ )الأنفال:39.

فمن أبى قاتلوه لمصلحته ونجاته، كما يجب إلزام من عليه حق لمخلوق بأداء الحق الذي عليه ولو بالسجن أو الضرب، ولا يعتبر مظلوما؛ فكيف يستنكر أو يستغرب إلزام من عليه حق لله بأداء حقه؟! فكيف بأعظم الحقوق وأوجبها وهو توحيد الله سبحانه وترك الإشراك به، ومن رحمة الله سبحانه أن شرع الجهاد للمشركين وقتالهم حتى يعبدوا الله وحده ويتركوا عبادة ما سواه، وفي ذلك سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة.

الآيات القرآنية الدالة على عدم الإعتداء على غير المسلمين؟

1- قال تعالى: ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ )البقرة:190-191.

2- قال تعالى: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ )البقرة:193.

3- قال تعالى: ( فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا )النساء:90.

4- قال تعالى: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )الأنفال39.

5- قال تعالى: ( وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )الأنفال:61.

6- قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )الأنفال:70.