يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

من محاسن هذا الدين العظيم، ومن خصائصه العظيمة الوسطية في الإسلام؛ لا إفراط ولا تفريط، لا غلو ولا جفاء، لا تشدد ولا تساهل.

وهو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى بلزومه وطلب الهداية إليه قال تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)الفاتحة/6-7.

فهؤلاء قد ضلوا فغضب الله عليهم لما تركوا أمر الله على علم، وهؤلاء قد ضلوا لأنهم تعبدوا لله بالجهل.

فالمسلم يتبع الصراط المستقيم، وهو دين الله الوسط، ليس فيه غلو ولا جفاء، في كل صوره وفي كل جوانبه ونواحيه.

ما هي الوسطية في الإسلام؟

1- الوسطية في جانب الاعتقاد والأسماء والصفات؟
وأعظم ذلك الاعتقاد في الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فأهل السنة والجماعة يلزمون مذهب الوسطية في ذلك، يثبتون ما ثبت لله عز وجل من الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الحكيمة، ولا يعطلون صفة ثابتة لله في القرآن أو في السنة.
وأيضا هم لا يمثلون الله بخلقه، فلا يمثلون صفات الله عز وجل بصفات المخلوقين، لأن ربنا جل في علاه يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)الشورى/11.

2 – الوسطية في الأنبياء والرد على الغلو:

هذه الأمة وسط في أنبياء الله عز وجل. الله تبارك وتعالى يقول: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ)المائدة/77.

-فأهل الكتاب ضلوا في عيسى عليه الصلاة والسلام؛ فاليهود حاربوا عيسى وحاولوا قتله، كما قتلوا من قتلوا من الأنبياء قبله عليهم الصلاة والسلام، فرفعه الله إليه وحماه وحفظه.

-وأما النصارى، فإنهم غلوا في عيسى وبالغوا في مدحه حتى قالوا: هو ابن الله، وحتى قالوا: هو الله، هو الإله المعبود، فغلوا فيه وبالغوا في مدحه.

-النبي ﷺ يقول في الحديث الذي رواه النسائي وابن ماجه: “إياكم والغلوَّ في الدينِ فإنما أهلَك مَن كان قبلَكم الغلوُّ في الدينِ”.

وجد في هذه الأمة طوائف غلوا في أولياء الله، وفي العلماء، وفي العباد، بنوا على قبورهم مشاهد ومساجد، يعبدونهم من دون الله، يدعونهم من دون الله، يتوسلون إليهم ويذبحون لهم من دون الله عز وجل، فوقعوا فيما وقعت فيه الأمم قبلهم، وحمى الله عز وجل أهل السنة والجماعة من هذا الغلو المذموم.

3 – الوسطية في التعبد والعبادات:

الوسطية في هذا الدين في كل الجوانب، من ذلك أيضا جانب التعبد والعبادات.

المسلم يتعبد لله عز وجل، ولكن لا يطغى ذلك على جوانب أخرى، فالإسلام مثلا ليس فيه رهبانية، ليس فيه انقطاع عن الناس في الخلوات أو في الكنائس، لا، الإسلام دين الحياة.

-وفي الصحيحين- “جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أزواجِ النبيِّ ﷺ يسألون عن عبادةِ النبيِّ ﷺ، فلما أُخْبِروها كأنهم تَقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبيِّ ﷺ وقد غُفِر له ما تقدم من ذنبِه وما تأخرَ. قال أحدهم: أما أنا فأُصلي الليلَ أبدًا، وقال الآخرُ: أنا أصومُ الدهرَ ولا أُفطِرُ, وقال الآخرُ: أنا أعتزلُ النساءَ ولا أتزوجُ أبدًا. فجاء رسولُ اللهِ ﷺ إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟أما واللهِ-وهو صادق ﷺ من غير أن يقسم- إني لأخشاكم للهِ وأتقاكم له، ولكني أصومُ وأُفطِرُ، وأُصلي وأَرقُدُ، وأتزوجُ النساءَ، فمن يرغبُ عن سنتي فليس مني”.

لا توجد رهبانية في الإسلام.

-عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما لما تزوج، اشتكت امرأته إلى رسول الله ﷺ، كان منشغلا عنها بالعبادة والصيام وقراءة القرآن والقيام، فناداه النبي ﷺ وقال له: “يا عبد الله،إنَّ لرَبِّكَ عليك حَقًّا، ولِنَفسِكَ عليك حَقًّا، ولِأهلِكَ عليك حَقًّا، فأعطِ كُلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه”.

بعض الناس لا يبالي بصحته، ولا يبالي ببدنه؛ هي أمانة عندك، راع هذه الأمانة كما أمرك الله، أعط بدنك حظه من الراحة في الوقت المناسب، لا تلعب بأوقات النوم ولا بالصوم ولا بالطعام والشراب ، أعط كل ذي حق حقه.

مفهوم الوسطية في الدين؟

1 – الوسطية في الإنفاق والمال:
وسطية هذا الدين في الأموال ،قال تعالى: ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )، والله تبارك وتعالى أمرنا في أموالنا بالوسطية ، قال سبحانه وتعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا)الإسراء/29، وقال سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكِ قَوَامًا)الفرقان/67.
-نسمع عن أرباب الأسر أمورًا غريبة وعجيبة ، إما إسراف وتبذير حتى يشتكي بعض الناس لا يمر عليه عشرة أيام من قبض الراتب وإذا هو مفلس ليس عنده مال.

-ونسمع عن أناس يمنعون أهلهم حقهم ، يقترون عليهم ، ويجعلونهم كالفقراء المحاويج، وهو غني وهو قادر على أن يوفر لهم احتياجاتهم ، ولكنه يبخل عنهم وعن نفقتهم ، وهو مسؤول أمام الله عز وجل عن ذلك.

2 – الوسطية في الدعوة إلى الله:

الوسطية في الدعوة إلى الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لما بعَثَ رَسولُ اللهِ ﷺ أبا موسى ومُعاذَ بنَ جَبَلٍ إلى اليَمَنِ، قال: “يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا”البخاري ومسلم.

الداعية إلى الله عز وجل لا يكون مشددًا ولا منفرًا ، لا بقوله ولا بفعله ، وإنما يلزم الصراط المستقيم ، لا غلو وتشدد ولا تساهل وتفريط وإباحة للمحرمات. والدعوة إلى الله عز وجل تكون بحكمة.

الرسول ﷺ جاء في الصحيحين أنه قال لعائشة: “لَولا أنَّ قَومَكِ حَديثو عَهدٍ بشِركٍ لَهَدَمتُ الكَعبةَ، فألزَقتُها بالأرضِ، وجَعَلتُ لها بابَينِ: بابًا شَرقيًّا، وبابًا غَربيًّا، وزِدتُ فيها سِتَّةَ أذرُعٍ مِنَ الحِجرِ؛ فإنَّ قُرَيشًا اقتَصَرَتها حَيثُ بَنَتِ الكَعبةَ”.

ما الذي منع النبي ﷺ من أن يهدم الكعبة ويبنيها من جديد على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ هو أن الناس أسلموا حديثًا ، الآن أسلموا ، فلو جاء وهدم الكعبة حصلت انتفاضة في الناس ورِدة! كيف يهدم الكعبة؟ ولكن النبي عليه الصلاة والسلام أجل هذا الأمر المستحب ، ليس بواجب ، ولو كان واجبًا ما تأخر عنه ﷺ.

مرجعية الوسطية في الشريعة الإسلامية؟

الوسطية في الأمور كلها هو منهاج المسلم ، ولكن انتبه أيها المسلم، الوسطية والاعتدال يقررها الله في كتابه ، ما هي بالهوى! رأيت هذا يقول كذا، وهذا يقول كذا، أختار أمر الوسط؟ ما هو مرجعه إلى الهوى، ولا إلى الشهوات ، وإنما مرجعه إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﷺ، قال عز وجل: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)النحل/43.

ليست الوسطية ما يقرره لنا دعاة التفسخ والانحلال: لا تشددوا ، لا تمنعوا! المسلم متبع لكتاب الله تعالى.

-أمر الله عز وجل بتحريم الربا فهو حرام إلى يوم القيامة.

-أمر الله عز وجل المرأة المسلمة بالحجاب فهو واجب وفريضة إلى قيام الساعة ، ما يبيح لها القانون ولا الناس ولا العادة ولا الأعراف الجاهلية أن تظهر أمام الناس متبرجة وفي وسائل الإعلام ، ما ندري ما علاقة نشر الأخبار بكشف الصدور؟! ما علاقة هذا بهذا؟! لا ندري!

ليس هذا دين الله ، ليست هذه الوسطية التي أمر الله عز وجل بها ، بل هذا من أسباب العذاب ومن أسباب دخول النار ،كما قال ﷺ: “نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ ، على رؤوسِهن مثلُ أسنمةِ البختِ ، لا يدخلن الجنةَ ولا يجدن ريحَها”.