يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
من طبيعة الإنسان وحياته في الدنيا أنها تقتضي الهموم والغموم، والهم والغم والحزن لم يبرأ ولم ينجُ منه حتى الأنبياء والمرسلون، فهو يصيب الجميع.
والهم هو إما بالخوف من المستقبل وما يحدث فيه، أو بسبب شيء عارض، من مشكلة أو مصيبة أو حادثة ونحو ذلك، ولكن المؤمن يستعيذ بالله سبحانه وتعالى ويلجأ إليه، وإيمانه يعصمه من شر الهم.
كيف ابتلي الأنبياء بالهم في سبيل الدعوة إلى الله؟
أعظم الهم هو ما أصاب أنبياء الله ورسله في سبيل دعوتهم الخلق إلى الحق، فقد أصابهم من ذلك شيء عظيم، لكن في الله ولله، ليس لأجل الدنيا، ولا لأجل المال، ولا لأجل المنصب.
النبي ﷺ قد أصابه من ذلك ما أصابه ﷺ، أوذي في قومه، أذىً شديداً من أقرب الناس إليه، حتى من عمه وما أشبهها، ضاق به الأمر حتى خرج من مكة ﷺ وذهب إلى أهل الطائف، يعرض نفسه عليهم أنصروني، قوموا بهذا الدين العظيم ، قولوا لا إله إلله تفلحوا، وتدين لكم العرب، عرض نفسه ﷺ عليهم فلم يقبلوا منه، بل إنهم سلّطوا عليه سفهاءهم فرموه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه ﷺ، يقول النبي ﷺ: “فخرجتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، لم أستفق إلا بقرن الثعالب”، وقرن الثعالب يقول العلماء يبعد عن الطائف أكثر من ثلاثين كيلومتراً، واستفاق على نداء جبريل عليه السلام يناديه من السماء: يا محمد، هذا ملك الجبال معي، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين.
النبي ﷺ أصابه من الهم ما أصابه، لكنه يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، همه الدعوة، وهمه هداية الناس، والأذى الذي يصيب الدعاة على هذا الطريق، طريق محمد ﷺ الذي يقول الله عز وجل فيه لنبيه: ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا )الكهف6، أي لعلك قاتل نفسك همًا وغمًا، أن لم يؤمنوا بهذا القرآن، ولم يدخلوا في دين الإسلام.
هل يأتي الهم من مخالطة الناس؟
-الهم يأتي للإنسان من مخالطته للناس، فالناس طبائع، فيهم الصالح والطالح، فيهم الصادق والكاذب، والأمين والخائن، يؤذى الإنسان، أحيانًا يؤذى لاستقامته على دين الله عز وجل وصدقه، ولو كان منافقًا خادعًا ما آذوه.
زيد بن أرقم رضي الله عنه غلام عمره ربما عشر سنين، سمع عبد الله بن أبي وأصحابه، عبد الله بن أبي رئيس المنافقين في المدينة، يقول لا تنفقوا على من عن الرسول، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنا الأعز منا الأذل، زيد نقل هذا الكلام إلى عمه، عمه نقله إلى رسول الله، فأرسل النبي ﷺ إلى عبد الله بن أبي، أنت قلت هذا الكلام، فقال كذب ما قلت ذلك، فدعا النبي ﷺ زيد وبلغه هذا، يقول زيد فأصابني هم ما أصابني قبله قط، النبي ﷺ يكذبني، حتى أنزل الله عز وجل تصديق زيد بن أرقم في سورة المنافقون، كما قال تعالى: ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) وقوله تعالى: ( يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) وقبلها قال تعالى: ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ). أنزل الله عز وجل تصديق زيد بن أرقم في كتاب يتلى إلى يوم القيامة.
-الإنسان قد يؤذى من الناس، ولكن الصادق، ولكن صاحب الحق، يعلم إن الله عز وجل معه، وإن الله يؤيده، فلا يبالي بهذا الهم.
-الإنسان أيضًا يبالي بأسرته يهتم لزوجه وأهله، لا سيما إذا كبر في السن، النبي عليه الصلاة والسلام ما ترك لزوجاته شيئًا لا ميراثًا، لأن الأنبياء لا يورثون، فكان النبي ﷺ يقول لزوجاته إن أمركن مما يهمني بعدي ولا يصبر عليكن إلا الصابرون كما في حديث الترمذي.
ما الموقف الصحيح من الهم على الأسرة والمستقبل؟
يخطر على بال الإنسان الهم على أولاده ومستقبلهم وأسرته وأحواله، ولا بأس بذلك، لكن لا ينبغي أن يستسلم للهموم، وإنما يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى لأن الأمر كله بيده. وقد كان الإمام الشافعي رحمه الله كان يقول لمحدثه:
إذا كان عندي قوت يومي فخلِّ الهمَّ عني يا سعيد
ولا تخطر هموم غد ببالي فإن غداً له رزق جديد
الله عز وجل لا يترك عبده، فليتوكل العبد على الله سبحانه وتعالى وليلجأ إليه.
-ومما ينبغي للمسلم أن يستعيذ بالله من الهموم والغموم، وهذا من هدي النبي ﷺ، كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أسمع رسول الله ﷺ كثيراً ما يقول: “اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ منَ الهمِّ والحزنِ، والعجزِ والكسلِ، والجبنِ والبُخلِ، وغلبةِ الدَّينِ وقهرِ الرِّجالِ”البخاري. يستعيذ النبي ﷺ من الهم، والإستعاذة يعني الإلتجاء إلى الله سبحانه وتعالى بدفع هذه الهموم.
-ولا ينبغي للإنسان أن يجعل الدنيا همه، يصبح من أجلها ويمسي من أجلها، المؤمن من طلاب الآخرة يريد ما عند الله عز وجل، فلا تكون الدنيا أكبر همه ولا مبلغ علمه، فقد كان النبي ﷺ يقول: “اللَّهمَّ لا تجعلِ الدُّنيا أكبرَ همِّنا، ولا مبلغَ علمِنا”الترمذي، مبلغ العلم يعني ليس له إهتمام ولا علم إلا بالدنيا، قال ﷺ: “مَن جعلَ الهمومَ همًّا واحدًا همَّ الآخرةِ كفاهُ اللَّهُ سائرَ همومِه”ابن ماجه.
اهتم أيها المسلم بأمر دينك وصلاحك وصلاح أسرتك واستقامتهم، فإن الله عز وجل يكفيك سائر الهموم والغموم.
ما علاجات الهم والغم الواردة في السنة النبوية؟
أولاً – الدعاء بدعاء الهم: قال ﷺ: “ما أصابَ عبدًا همٌّ ولا حزنٌ فقالَ: اللَّهمَّ إنِّي عبدُك، وابنُ عبدِك، وابنُ أمَتِك، ناصيتي بيدِك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤُك، أسألُك بكلِّ اسمٍ هوَ لك، سمَّيتَ بهِ نفسَك، أو أنزلتَه في كتابِك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أو استأثرتَ بهِ في علمِ الغيبِ عندَك، أن تجعلَ القرآنَ العظيمَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاءَ حزني، وذهابَ همِّي، إلَّا أذهبَ اللَّهُ همَّه وغمَّه”أحمد.
ثانياً – قراءة القرآن: اجعل القرآن درساً يومياً لا تتركه، فإن القرآن من أعظم ما يدفع الهموم والغموم، ودعاء الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى من أعظم ما يدفع الهم والغم.
ثالثاً – كثرة الصلاة والسلام على النبي ﷺ: كما جاء في الحديث الصحيح أن أُبيَّ بن كعب رضي الله عنه قال: يا رسول الله أجعل لك صلاتي كلها؟ أي أشغل وقتي بالصلاة والسلام عليك يارسول الله، فقال ﷺ: “إذًا تُكفى همَّك ويُغفر ذنبُك”الترمذي.
رابعاً – كثرة ذكر الله: كما جاء في الحديث: “ما جلسَ قومٌ مجلسًا يذكرونَ اللَّهَ تعالى فيه إلَّا حفَّتهم الملائكةُ، ونزلت عليهم السَّكينةُ، وغشيتهم الرَّحمةُ، وذكرَهم اللَّهُ فيمن عندَه”مسلم، فالسكينة هي البعد عن القلق والهم والفزع.
خامساً – الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله: وأعظمه جهاد النفس حتى تستقيم على أمر الله، من أعظم مايدفع الله به الغم والهم، أن تكون داعياً إلى الله، مذكرا بأمر الله، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، من أعظم ما يدفع الله تعالى به الهم والغم.